بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

دولة الحرب الدائمة!

الحرب بالمعايير الإنسانية جزء من حالة الاجتماع البشرى، ولكنها ذات طابع استثنائى، باعتبار أن حالة السلم هى الأساس. وبعيدا عن تاريخ الحروب، فإن التطور التكنولوجى جعل الحرب ذات كلفة كبيرة، ومن هنا كان بذل الجهد الكبير لتجنبها، حتى إن دولا مختلفة تتقبل أحيانا مظلوميات تتعلق بحقوقها التاريخية وغير التاريخية من أجل تجنب الحرب، وبدعوى أن ويلات الحرب لا يعلم عقباها إلا الله.

فى تاريخنا المعاصر، تعتبر إسرائيل استثناء من هذه القاعدة، فالحرب هى السمة الاساسية لعلاقاتها مع الجوار بل وغير الجوار. تاريخ إسرائيل رغم محدوديته لا يتجاوز ثمانين عاما أغلبه تاريخ حرب وليس سلاما. فليس هناك دولة جوار مما اصطلح على تسميتها بدول الطوق لم تدخل إسرائيل معها فى حرب، حتى ليخيّل لك أن الحرب هو الهواء الذى تتنفسه الدولة العبرية.

لا يوجد موقف واحد مارست فيه إسرائيل ضبط النفس ولم تقدم على الحرب سوى ذلك المتعلق بحرب الخليج حينما أجبرتها الولايات المتحدة على عدم الرد على صواريخ صدام والتى كان يستهدف من خلالها خلط أوراق الأزمة.

باستثناء ذلك كانت إسرائيل حريصة على الانخراط فى حروب متواصلة سواء من أجل قيام الدولة ذاتها فى 1948 أو بالتواطؤ مع دول أخرى دون وجود سبب مباشر لخوضها الحرب مثلما جرى فى العدوان الثلاثى على مصر خلال 1956، أو رد فعل على تطور يمس مصالحها كما حدث فى حرب 1967.

بفعل تلك الحالة ربما يعتبر نظام الاحتياط فى الجيش الإسرائيلى فريدا من نوعه على مستوى العالم حيث يضم نسبة غير قليلة من المنخرطين فى سوق العمل المدنى، بنسبة تتجاوز 70% من إجمالى أفراد الوحدات المختلفة بالجيش، إلى الحد الذى يصف معه البعض هذا الوضع بالقول بأن قوات الاحتياط تعد «إحدى ركائز الأمن القومى الإسرائيلى»، عملاً بما يوصف بمفهوم «الأمة تحت السلاح».

دلالات ذلك الوضع عديدة، أن إسرائيل دولة تقوم على عقيدة سمتها الأساسية الخوف من محيطها الجغرافى، بغض النظر عما إذا كان مبررا أم غير مبرر، وهو ما يعكس بل ويكرس فكرة أنها كيان غير طبيعى. لكن هناك مظهر آخر يستحق التوقف عنده بشأن قدرة إسرائيل على التعايش مع هذه الحالة الدائمة من الحرب. فإذا كانت القاعدة العامة أن دولا عديدة من المفترض أن لا تقوم لها قائمة بعد الحرب، فإسرائيل عكس ذلك، حيث سرعان ما تستعيد عافيتها، ويأتى ذلك على خلفية عاملين؛ الأول هو الدعم الأمريكى خاصة على صعيد التكفل بالتكاليف العسكرية للحرب باعتبار أنها وكيل لها فى المنطقة، إلى جانب حالة التقدم التى تحياها قطاعات رئيسية فى الاقتصاد الإسرائيلى خاصة قطاع التكنولوجيا.

ورغم أن الرهان لدى الخصوم قام على أن إسرائيل لن تصمد إزاء حرب طويلة الأمد، وهو طرح منطقى، إلا أن الحرب على غزة، قللت من حيوية تلك الفكرة، وهو الأمر الذى عززه كذلك الحرب الجارية مع إيران. صحيح أنه كان للحربين تبعاتهما الصعبة، لكن أتصور أن النقطة التى يجب أن تحظى بالاهتمام فى التعامل مع الحالة الإسرائيلية هى قدرتها على امتصاص والتكيف مع تبعات الحرب.

وإذا كانت الحرب، فى الحدود التى قدمناها بها، يمكن أن تعتبر كابوسا على الصعيد المجتمعى، وهو كذلك فى إسرائيل وتحاول أن تخفيه من خلال فرض قيود على تأثيرات العمليات العسكرية ضدها، فإن الحرب على الصعيد السياسى وخاصة فى ظل حكومة متطرفة كحكومة نتنياهو تعتبر أداة للتوسع والهيمنة.. الأمر الذى نشهد تطبيقا لها فيما يجرى فى المنطقة حاليا.

 

 

[email protected]