بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من عتمة "التوحد" إلى نور "الهندسة"

لم يكن مجرد كائنٍ صغير غيّر تضاريس جسدي وهالات عينيّ بل كان قدراً أعاد صياغة روحي من النقيض إلى النقيض حين تهادى طفلي إلى الدنيا قبل عشرون عاماً لم أكن أعلم أنني أستقبل معجزةً مغلفةً بالصمت وأن رحلتي معه ستكون عبوراً منفرداً فوق جسرٍ من الجمر.
أكتب اليوم كلماتي هذه مدثرةً بخجلي الفطري الذي يمنعني من الظهور بوجهي أو صوتي في الفضاء الرقمي لكن حكايتي وحكاية ابني—الذي يخطو اليوم بثبات داخل أروقة كلية الهندسة—كان لا بد أن تُروى كشاهدٍ حيّ في حملة دعم أطفال التوحد.
فقد كنت وحيدة في مهبّ "الطيف"
منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً كانت كلمة "توحد" غريبةً على الآذان مبهمةً في القواميس الطبية والاجتماعية بمصر. 
في تلك الآونة لم أواجه اضطراباً سلوكياً فحسب بل واجهتُ "عزلةً تامة". 
لم تمتد إليّ يد مساعدة لا من قريبٍ يواسي ولا من غريبٍ يستوعب. 
عشتُ سنواتٍ طويلة في دوائر مفرغة بين أطباء يتخبطون في التشخيص ومجتمعٍ قاسي يجلدني بنظرات اللوم والاتهام بـ "التقصير" كلما انهار طفلي صامتاً أو صاخباً ومدارس كانت تغلق أبوابها في وجوهنا وكأننا نحمل خطيئة. لن انسي أن أول أزمة قلبي أصابتني عندما القت مديرة المدرسة الإنترناشونال بملف ابني في وجهي وقالت لماذا تريدينه ان يكمل هنا اذهبي به الي اي من المركز التي تأخذ من مثله.
> كنتُ أغرق بمفردي في محيطٍ من التساؤلات أفتش في العتمة عن بصيص معلومة أو خيط أمل... فلا أجد سوى الصدى.
واليوم، وأنا أرقب أمهات أطفال التوحد في عام 2026 يصرخن الصرخة ذاتها ويتجرعن المرار نفسه أدرك أن الأوان قد حان لتتحول المعاناة الفردية إلى منظومة دعم حقيقية. إن ما احتجته بالأمس وعجزتُ عن إيجاده هو عينه ما يحتاجه آلاف الآباء الآن مثلاً 
•مظلة تأمين صحي شامل وجودة تأهيلية مدعومة:
رحلة التوحد مكلفة حدّ كسر الظهر والأهالي بحاجة ماسة إلى مراكز حكومية مجهزة بكفاءة تُغنيهم عن استغلال المراكز الخاصة التي تقتات على أوجاعهم بأسعار فلكية.

•دمج تعليمي حقيقي وإلزامي
لسنا بحاجة إلى دمجٍ صوري على الورق بل إلى توفير "مُعلم ظل" (Shadow Teacher) مؤهل ومتاح من قِبل وزارة التربية والتعليم مع تأهيل الإدارات المدرسية والمعلمين لاستيعاب هؤلاء الأطفال إنسانياً وعلمياً بدلًا من إقصائهم.

•مراكز الدعم النفسي والإرشاد للأمهات
الأم التي يباغتها تشخيص طفلها بالتوحد تموت في اليوم ألف مرة خوفاً على مستقبله كانت بحاجة إلى مؤسسات تأخذ بيدها نفسياً وعملياً بدلاً من تركها تتخبط في تيه الضياع والاحتراق النفسي.

وأخيرا رسالة أمل من قلب المعركة
لقد وصل ابني إلى كلية الهندسة وصل بدموع السحر وبسهر الليالي وبعمرٍ كامل نذرتُه واقتطعتُه من روحي لأجله دون سندٍ بشرّي بل بمددٍ خالص من الله.

إنني لا أسرد حكايتي لأستعرض ألمي بل لأطبع قبلة طمأنينة على جبين كل أمّ تقف اليوم في أول الطريق مرعوبةً ومخضوضة. التوحد ليس نهاية العالم بل هو بداية لرحلة اكتشاف إنسان استثنائي. 
لا تتركوا الأمهات يغرقن وحدهن كما غرقتُ قبل عشرون عاماً... خذوا بأيديهن لعلّ أطفال اليوم هم مهندسو ومبدعو الغد.