بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حضارة لا تُسرق

تظل الحضارة المصرية القديمة واحدة من أعظم التجارب الإنسانية التي عرفها التاريخ، بما قدمته من إنجازات في مجالات العمارة والطب والهندسة والفلك والعلوم والفنون، وعلى مدار آلاف السنين، بقيت هذه الحضارة مصدر إلهام ودراسة للباحثين حول العالم، إلا أن الفترة القريبة الماضية شهدت جدلًا واسعًا حول محاولات إعادة تفسير تاريخها، خاصة مع انتشار ما يُعرف بـ"الأفروسنتريك" أو "المركزية الإفريقية".
في جوهرها، تعد الأفروسنتريك حركة فكرية وثقافية تهدف إلى إعادة النظر في تاريخ وثقافة الشعوب الأفريقية، وإبراز مساهماتها الحضارية التي تعرضت  وفقًا لأنصارها  للتهميش أو التشويه في بعض الكتابات التاريخية، وهذا الهدف في حد ذاته يطرح قضية مشروعة حول ضرورة إنصاف الحضارات الأفريقية وإعادة دراسة التاريخ بعيدًا عن أي تحيزات.
لكن الجدل يبدأ عندما تتحول إعادة القراءة إلى محاولات لفرض روايات أحادية الجانب، أو تقديم تفسيرات لا تتوافق بشكل كامل مع الأدلة الأثرية والتاريخية، فقد أثارت بعض أطروحات التيار الأفروسنتريكي نقاشًا واسعًا حول أصول المصريين القدماء، بعدما ذهب بعض أنصاره إلى اعتبار الحضارة المصرية القديمة حضارة أفريقية سوداء خالصة، وأن المصريين القدماء كانوا ينتمون بالكامل إلى هذا التصنيف العرقي.
غير أن دراسة التاريخ المصري القديم تكشف عن صورة أكثر تعقيدًا وتنوعًا؛ فمصر لم تكن منعزلة عن محيطها، بل كانت نقطة تواصل بين أفريقيا وشمالها والشرق الأدنى والبحر المتوسط، وقد شهد المجتمع المصري القديم تفاعلات حضارية وتجارية وثقافية مع مناطق مختلفة، وهو ما يجعل اختزاله في إطار عرقي واحد قراءة غير دقيقة لطبيعة الحضارة.
كما أن الأدلة الأثرية والأنثروبولوجية تشير إلى أن المصريين القدماء شكلوا مجتمعًا له خصائصه وتطوره الخاص، مع وجود علاقات وتأثيرات متبادلة مع الشعوب المجاورة، فالحضارة المصرية لم تظهر فجأة، ولم تكن مجرد انعكاس لحضارات أخرى، بل تطورت عبر مسار تاريخي طويل داخل وادي النيل.
ومن القضايا التي يثار حولها الجدل أيضًا مسألة الادعاء بأن الإنجازات العلمية والتكنولوجية المصرية القديمة جاءت من مصادر خارجية، خاصة من مناطق جنوب الصحراء الكبرى، ورغم وجود تواصل بين مصر ومحيطها الأفريقي، فإن الكثير من الإنجازات المصرية في الهندسة والطب والفلك والإدارة تعكس تطورًا داخليًا متراكمًا امتلك أدواته وابتكاراته الخاصة.
أما الاستناد إلى التماثيل والنقوش المصرية لإثبات هوية عرقية محددة للمصريين القدماء، فهو تفسير يحتاج إلى قدر كبير من الحذر؛ فالفن المصري القديم كان يحمل رموزًا سياسية ودينية واجتماعية، وصوّر تنوعًا في الشخصيات والمناطق التي ارتبطت بمصر وعلاقاتها الخارجية.
ولا يعني ذلك إنكار البعد الأفريقي للحضارة المصرية، فمصر جزء أصيل من القارة الأفريقية جغرافيًا وتاريخيًا، وكانت لها علاقات ممتدة مع شعوب القارة، لكن الانتماء الجغرافي شيء، وتحويل حضارة معقدة ومتعددة التأثيرات إلى هوية عرقية واحدة شيء آخر.
المشكلة الأساسية في بعض أطروحات الأفروسنتريك أنها قد تنقل النقاش من دراسة التاريخ إلى معركة هويات، حيث تصبح الحضارات وسيلة لإثبات الانتماء بدلًا من فهم التطور الإنساني المشترك، فالتاريخ لا يُكتب بالرغبات أو الانتماءات، بل بالأدلة والبحث العلمي والتحليل الموضوعي.
وفي النهاية، ستظل الحضارة المصرية القديمة أكبر من أي محاولة لاختزالها أو إعادة صياغتها خارج سياقها التاريخي. فهي حضارة صنعتها أجيال متعاقبة من المصريين القدماء، وتركت إرثًا إنسانيًا فريدًا لا يحتاج إلى مبالغات أو ادعاءات لإثبات عظمته، وإن فهم هذه الحضارة حقًا يتطلب قراءة شاملة تحترم الأدلة، وتقدر مكانتها كواحدة من أعظم إنجازات الإنسان عبر التاريخ.