تعرف علي قصة تطوع موسى عليه السلام في سقي الأغنام للمرأتين
تبدأ القصة عندما خرج سيدنا موسى -عليه السلام- من مصر متوجهاً إلى "مدين" خائفاً يترقب، ووصل إليها متعباً وجائعاً. وحينها وجد مجموعة من الرعاة يسقون أغنامهم من بئر، ووجد امرأتين تقفان بغنمهما بعيداً تنتظران انتهاء الرجال.
وورد تفاصيل القصة و أحداثها:
- المساعدة والشهامة: تقدم موسى -عليه السلام- نحوهما وسألهما عن سبب وقوفهما، فأخبرتاه أن أباهما شيخ كبير لا يقدر على السقي، وأنهما تنتظران حتى ينتهي الرعاة من سقي أغنامهم لأنهم لا يتركون لهما فرصة.
- القوة والعمل الفذ: كان الرعاة يضعون صخرة عظيمة جداً على فم البئر لا يرفعها إلا عدة رجال، فلما رأى موسى -عليه السلام- ضعفهما وحاجتهما، رفع الصخرة وحده، واستقى لهما، وسقى أغنامهما، ثم رد الصخرة مكانها.
- الدعاء المبارك: بعد هذا العمل الشاق، ذهب موسى -عليه السلام- ليجلس في ظل شجرة، وكان في قمة الجوع والتعب، فتوجه إلى ربه بالدعاء قائلاً: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.
- جزاء المروءة: استجاب الله لدعائه بسرعة، حيث عادت إحدى الفتاتين إليه تمشي على استحياء، وأخبرته أن والدها يدعوه ليكافئه على سقيه لهما. ذهب موسى وقص على الرجل قصته، فطمأنه الأب، ثم زوجه إحدى ابنتيه مقابل أن يعمل لديه في رعاية الأغنام لعدة سنوات.
قوله تعالى:{فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}[ القصص:٢٤]
هذا مشهد من مشاهد الشهامة، وإظهار الرجولة، وخدمة الضعيف دون مقابل ينتظره، أو انتظار مَن يشكره، وهذا خلق الأنبياء- عليهم السلام- في الحنو والشفقة والرحمة بالضعفاء، وعدم انتظار الأجر على فعل الخير٠
والآية فيها إيجاز بالحذف، فقد حذف المفعول به اختصارا لكونه معلوما، فلم يقل: فسقى لهما «غنمهما»، والفاء في قوله« فسقى لهما» تدل على سرعة الشهامة، وابتدار فعل الخير لديه لما سمع عذرهما في ذلك، وقوله «لهما» أي: لأجلهما؛ لكونهما لا يستطيعان السقاية، ومخالطة الرعاء من الرجال، ومساعدتهما على الصون والعفة وحسن التربية، فاللام لام العلة، ثم تولى بكليته بعد السقاية، وقضاء المهمة منصرفا إلى الظل، وفي ذلك إشارة إلى شدة الحر في ذلك الوقت، وقوله«ثم تولى»، فالمهلة في «ثم» يفهم منها أنه سقى الغنم حتى ارتوت، وجمعت المرأتان دلاءهما، وساقتا غنهما حتى انصرف هو عنهما، وقد كان موسى -
عليه السلام - جائعا، وخائفا، وغريبا في أهل مدين، فدعا ربه، فقال:{رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير}، وتعبيره بنزول الخير إليه دلالة على علو المنزِّل سبحانه، وأن أي خير منه كاف له، وساد لحاجته، ومن ثم جاء تنكير كلمة «خير» للدلالة على العموم، ولم يقل: أنزلت عليّ؛ لأنه جعل من نفسه غاية وهدفا لذلك الخير، وكلمة« خير» غير محددة، فهل هو طعام يطلبه، أو مال، أو أمْنٌ من الخوف، أو مأوى له وسكن جسدي ونفسي؟، وقد حان جواب الدعاء سريعا وشاملا كل ذلك، فجاءته إحدى المرأتين تدعوه لأخذ أجرة السقاية من أبيها، فجاءته هكذا بالفاء الدالة على التعقيب والترتيب، فوجد حاجته، وأجاب الله دعوته، فأواه، وأطعمه، وأمّنه، وأنكحه امرأةً صالحةً عفيفةً حيِيَةً حافظةً لشرف أبيها٠