ضميرمستتر
حلف طهران، والتوازن الإقليمى فى الشرق الأوسط!
ـ فى أحد لقاءاته مع قناة الجزيرة، ديسمبر 2007، قال الأستاذ محمد حسنين هيكل نصًّا:
(اذا وقع نظام الدولة الإسلامية، فانا أخشى انه هيجى نظام قريب من نظام الشاه
ايران فيها احساس: والله احنا توجهنا للعالم العربى، واهنا انفسنا فى سبيل استعادة علاقات طبيعية لكن العالم العربى بيصد
وهذا يصب فى حساب النظم القديمة فى ايران، اللى بترى أن الحضارة الآرية، وهم منبعها، والحضارة الفارسية، ممكن قوى تتكلم مع اليهود وفى علاقات كبيرة مع الدولة الإسرائيلية بعد كده
واذا حدث ان ايران عادت مرة اخرى الى إسرائيل، فانا باعتقد ان هيبقى فيه تحول استراتيجى فى المنطقة، لا نستطيع مواجهته ببساطة)
ـ من هنا ألتقط طرف الخيط، فأرى أنه كما أحدث سقوط بغداد عام 2003 فراغًا استراتيجيًا أعاد ترتيب الإقليم برمته ـ خاصة بالتوغل الأمريكى، والإسرائيلى أيضًا ـ فأى اهتزاز فى منظومة الحكم الإيرانية قد لا يقف عند حدودها الجغرافية، بل ربما يفتح الباب واسعًا أمام إعادة رسم خريطة التوازنات الإقليمية فى الشرق الأوسط بأكمله، بصورة قد لا تتفق مع مصالح دول الاقليم، ولا الدول المحيطة به.
ـ وفى تقديرى، فالسيناريو الأقرب للمنطق السياسى ربما سيكون بروز "طهران جديدة" أكثر براغماتية، تميل إلى إعادة تعريف أدواتها الخارجية بعيدًا عن الأيديولوجيات الصلبة والثوابت التى استند إليها نظام الثورة للانتشار الاقليمى.
وستعيد طهران الجديدة تموضعها تدريجيًا فى طبيعة علاقتها مع الغرب ومع إسرائيل، ومع العرب، مستندة إلى ثقلها الجغرافى والديموغرافى والعسكرى، لتقتنص الفرصة فى أن تكون أحد أهم مراكز الارتكاز الجديدة فى الإقليم على حساب قوى تقليدية أخرى..
خاصة إذا نظرنا إلى الثروة البترولية على ضفتى الخليج بكثافتهما السكانية المذهبية، لتلعب طهران الجديدة دور الحارس الإقليمى لمصالح الغرب، وهو ما إن تم فلن يكون بعيدًا عن الهيمنة الإسرائيلية بأى حال.
فقد سبق وتحدثتُ فى مقال سابق من أن سبب الصراع "الإيرانى ـ الإسرائيلى" ـ رغم تعاونهما أثناء حرب "العراق ـ إيران" ـ ربما هو صراع "ضرائر" على من الأولى بأن تكون محظية العم سام!
ـ وغير مستبعد أن يدفع هذا التحول ـ اقصد طهران الجديدة ـ دول الخليج إلى مخاوف أمنية أكثر تعقيدًا تنتظر تشكل الخطر الجديد، الذى سيصنعه الغرب، ما لم تبادر بالمشاركة الفعالة..
مخاوف قد تضطرها لمراجعة أنماط التحالفات التقليدية بينها وبين واشنطن، ووضع ترتيبات أكثر مرونة تقوم على شبكات مصالح اقليمية متداخلة، تتقاطع فيها ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد.
ـ من زاوية اخرى، أرى أنه من غير المرجح أن تتشكل المنطقة المقبلة ـ بعد الحرب ـ فى صورة تحالفات ومحاور مغلقة بمعناها السياسى والاستراتيجى التقليدى، بل قد تكون فى شكل توازنات شبكية مرنة ومتعددة المستويات، تتداخل فيها خطوط التعاون والخصومة والتهديدات فى آن واحد.
فتركيا تتحرك فى سلوكها الإقليمى وقوتها العسكرية بدرجة متزايدة من الاستقلالية عن الغرب، لكن دون انفكاك كامل عنه.
أما باكستان فمن البديهي أنها ستوازن بين قوتها النووية ـ المستهدفة ربما عن قريب ـ وعلاقاتها التاريخية مع الغرب وكذلك مع السعودية، وارتباطها المتنامي بالصين، إضافة إلى تفاعلاتها الإقليمية الحساسة مع الهند.
أما مصر، فتسعى لتثبيت الاستقرار الإقليمى، وتتبنى نهج "التحوُّط الاستراتيجى" ـ إن جاز التعبير ـ وتتحرك فى ملفاتها الأمنية والعسكرية بحذر وحكمة ـ بما فى ذلك تعاونها الحالى مع دول الخليج ـ فى إطار محاولة جادة لدعم مظلة الاستقرار العربى، وليس لتشكيل تحالفات أو محاور هجومية، كما قد يظن البعض.
ـ من زاوية أخرى، ومع انتقال المواجهة بين إيران وإسرائيل مؤخرًا من منطق "الحرب عبر الوكلاء" إلى مرحلة المواجهة المباشرة، فأرى أنه انتقال يعيد تعريف مفهوم الردع، ولا يعنى ـ حتى الآن على الأقل ـ دخول المنطقة فى حرب شاملة، بقدر ما يعكس تغيرًا فى طبيعة "لغة الردع" الإقليمى نفسها، واتجاهًا جديدًا نحو إعادة ضبط قواعد الاشتباك التى حكمت المنطقة لعقود.
فطبيعة النظام الدولى المعاصر، وتشابك مصالح القوى الكبرى داخل الإقليم وخارجه، تجعل من الصعب إعادة إنتاج نماذج اصطفاف وتحالفات ومحاور كما حدث أثناء الحرب الباردة، أو فى تجارب سابقة مثل "حلف بغداد 1955".
بينما البديل الأكثر واقعية، قد يكون صناعة أنماط "الاحتواء المتبادل" و"إدارة التصعيد"، حيث تتراجع فكرة التحالفات المغلقة لصالح ترتيبات مرنة تتغير فيها مواقع الخصومة والتعاون وفق تطور المصالح والتهديدات.
ـ أما التطورات الأخيرة ـ تجدد تبادل الضربات المباشرة بين إيران وإسرائيل، وورطة الدور الأمريكي داخليًا وخارجيًا فى إدارة مسار التصعيد ـ فقد تشير إلى دخول الإقليم مرحلة أكثر حساسية، تتآكل فيها تدريجيًا قواعد الاشتباك التقليدية، كما أشرتُ أعلاه، لصالح مرحلة انتقالية تتسم بـ"سيولة جيوسياسية" مرتفعة، تصبح فيها العلاقات أكثر مرونة، وتتحرك فيها الدول بمنطق المصالح المتغيرة لا الاصطفافات الثابتة.
ـ ويبقى السؤال:
هل من مصلحة مصر وتركيا وباكستان والخليج، بقاء نظام الثورة الإيرانى، لكن باتفاقات مصالح أمنية واقتصادية مرنة؟
أم سيأتى يوم معتم نقول فيه: "أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثورُ الأبيضُ"؟!
دعونا نتابع