بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ليس السؤال لماذا افتتحنا مصنع شاي... بل كيف نقيس قيمة الاستثمار؟

أثارت زيارة رئيس مجلس الوزراء ووزير الصناعه لافتتاح خط إنتاج جديد للشاي في برج العرب اهتمامًا واسعًا. لكن القضيه الحقيقيه ليست الشاي، وليست الشركه المالكه، وليست حتى حجم الاستثمار المعلن.


القضيه الأهم هي سؤال ربما تأخرنا كثيرًا في طرحه:
كيف تقيس الدوله المصريه قيمة الاستثمار؟
في الدول الصناعيه الكبرى لا تُقاس أهمية المشروع بعدد الصور الملتقطه أمام خطوط الإنتاج، ولا بعدد الكلمات التي تُقال في مراسم الافتتاح، ولا حتى بحجم رأس المال المستثمر وحده.
هناك سؤال أكثر أهميه يسبق كل ذلك:
كم أضاف هذا المشروع للاقتصاد الوطني؟
كم تبلغ القيمه المضافه المحليه؟
كم تبلغ نسبة المكون المحلي؟
كم دولارًا سيدخل مصر بعد خصم الواردات وتحويلات الأرباح للخارج؟
كم فرصة لتوطين التكنولوجيا خلقها المشروع؟
كم شركة مصريه انضمت إلى سلسلة التوريد بسببه؟
كم مهندسًا وفنيًا اكتسب معرفة جديدة يمكن أن تتحول إلى صناعه وطنيه في المستقبل وليس كم عدد عمال التعبئه والتغليف؟
هذه هي الأسئلة التي تُبنى عليها السياسات الصناعيه الناجحه.
أما السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم فهو:
هل يميز نظام الحوافز المصري بين الاستثمارات منخفضة القيمه المضافه والاستثمارات عالية التكنولوجيا والقيمه المضافه؟
هل يحصل مشروع يعتمد على استيراد معظم مدخلاته ثم تجهيزها أو تعبئتها بل واستيراد مواد التعبئه والغلافات أيضا كالشاي على سبيل المثال على الحوافز نفسها التي يحصل عليها مشروع يصنع مكونات إلكترونيه أو معدات هندسيه أو أجهزه طبيه متقدمه هل يستويان مثلا !! كيف يستفيد مصنع كهذا  من أنظمة السماح المؤقت والدروباك في الإعفاءالجمركي لمواد التعبئه المستورده شأنه شأن الصناعات التحويليه  !!؟إذن لماذا أصنع؟
هل تختلف درجة الاهتمام الرسمي وفقًا لمقدار المعرفه التي يضيفها المشروع للاقتصاد؟

هل توجد معايير معلنه تميز بين التخزين والتجميع والتعبئه والتغليف من ناحيه، وبين التصنيع العميق وتوطين التكنولوجيا من ناحيه أخرى؟
الأهم من ذلك كله:
أين البيانات؟
إذا كان المشروع ناجحًا اقتصاديًا بالفعل، فلماذا لا تعلن الدولة للرأي العام:
 نسبة القيمه المضافه المحليه؟
 نسبة المكون المحلي؟
 حجم الصادرات الفعليه؟
 صافي النقد الأجنبي المتولد؟
 عدد الموردين المحليين؟
 حجم الإنفاق على البحث والتطوير؟
 نسبة الأرباح المعاد استثمارها داخل مصر؟
لماذا يظل المواطن مطالبًا بالتصفيق للاستثمارات بينما لا يمتلك الأدوات اللازمه لتقييم نتائجها؟
في كوريا الجنوبيه وسنغافوره وتايوان والصين تلك الدول التي نتلمس خطاها في التقدم، لم تكن جميع الاستثمارات متساوية في نظر الدوله.
فالمشروع الذي ينقل التكنولوجيا ليس كالمشروع الذي يبيع منتجًا استهلاكيًا.
والمشروع الذي يصنع المعرفه ليس كالمشروع الذي يستوردها.
والمشروع الذي يخلق سلسلة توريد وطنيه ليس كالمشروع الذي يعتمد بالكامل تقريبًا على الخارج.
لهذا كانت الحوافز هناك مرتبطة بالنتائج، لا بالعناوين.
مرتبطه بالقيمه المضافه، لا بحجم الاحتفالات.
مرتبطه بالتكنولوجيا، لا بعدد المؤتمرات الصحفيه.
لماذا ننقل تجارب الآخرين على طريقة "ولا تقربوا الصلاة "
إن الاقتصاد لا يتحول إلى اقتصاد صناعي متقدم لأنه افتتح مصانع أكثر، بل لأنه افتتح مصانع أفضل.
ولا تُقاس قوة الصناعه بعدد خطوط الإنتاج، بل بكمية المعرفه التي تتركها هذه الخطوط داخل الوطن.
ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يصل إلى كل مسؤول قبل أي افتتاح جديد هو:
كم تبلغ تكلفة كل فرصه ضائعه عندما تتساوى حوافز مشروع يضيف 10% قيمه محليه مع مشروع يضيف 70% قيمه محليه؟
وكم نخسر عندما نحتفل بالاستثمار قبل أن نعلن 
إن مصر لا تحتاج فقط إلى جذب المزيد من الاستثمارات، بل تحتاج إلى سياسه صناعيه أكثر شفافيه تميز بوضوح بين الاستثمار الذي يستهلك السوق، والاستثمار الذي يبني القدره الإنتاجيه للدوله.
فالشيطان، كما يقولون، يكمن دائمًا في التفاصيل.
وفي الاقتصاد أيضًا، لا تصنع التفاصيل الصغيره فرقًا في النجاح فقط، بل تصنع الفارق بين دولة تستهلك التكنولوجيا ودولة تمتلكها.
القضيه قضية حوكمه وسياسه صناعيه وليس قضية مصنع أو شركه٠