بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من الأرز والبصل إلى الدواجن والطماطم:

التصدير بين حق «الدولة» وحق «المواطن فى الطعام»

بوابة الوفد الإلكترونية

مواطنون غاضبون بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية... وأصابع الاتهام تشير إلى الصادرات الزراعية

حاتم نجيب: التغيرات المناخية والآفات وحلقات التداول أسباب الارتفاع

أحمد شيحة: المواطن أولًا واحتياجاته الأساسية أهم

متى بشاي: تصدير الغذاء مشروط بالاكتفاء.. وأى نقص يفرض إعادة النظر

 

لم تعد أزمة ارتفاع أسعار السلع الغذائية فى مصر مرتبطة فقط بالتضخم أو زيادة تكاليف الإنتاج، بل برز عامل آخر يثير جدلًا واسعًا بين الخبراء والمستهلكين، وهو التوسع فى تصدير السلع الغذائية والزراعية فى وقت يشكو فيه المواطنون من ارتفاع الأسعار ونقص بعض المنتجات فى السوق المحلية.

فخلال الأشهر الأخيرة، قفزت أسعار الطماطم والدواجن بصورة لافتة، وقبلها شهدت الأسواق ارتفاعات كبيرة فى أسعار البصل والأرز، وهى سلع ربط كثير من المتابعين بينها وبين زيادة الصادرات أو فتح أسواق خارجية جديدة لها، وفقا لما تم إعلانه من الجهات الرسمية والتى أكدت تصدير الدواجن إلى قطر والكويت، كما تواردت أنباء عن تصدير الطماطم للسعودية.

وبينما ترى الحكومة أن التصدير ضرورة لتوفير العملة الأجنبية ودعم الاقتصاد، يتساءل المواطنون عن حقوقهم فى الحصول على السلع بسعر مناسب خاصة أنها إنتاج محلى خالص يُزرع فى الأراضى المصرية وبالتالى يجب أن يصل لهم بسعر غير مبالغ فيه.

من ناحية أخرى تسعى الدولة إلى زيادة حصيلة الصادرات باعتبارها أحد أهم مصادر النقد الأجنبى، خاصة فى ظل الضغوط التى تواجهها الموازنة العامة واحتياجات الاستيراد وسداد الالتزامات الخارجية.

وتستهدف الحكومة رفع الصادرات المصرية إلى مستويات قياسية خلال السنوات المقبلة، سواء فى القطاع الزراعى أو الصناعات الغذائية، باعتبارها قطاعات تمتلك ميزة تنافسية فى الأسواق الخارجية.

لكن على الجانب الآخر، يرى مواطنون أن تصدير كميات كبيرة من السلع الغذائية ينعكس مباشرة على الأسعار داخل السوق المحلية، حيث يتجه المنتجون إلى البيع فى الأسواق الخارجية الأكثر ربحية، ما يؤدى إلى انخفاض المعروض محليًا وارتفاع الأسعار.

ويرى بعض التجار أن فتح أسواق تصديرية جديدة للمنتجات الزراعية والغذائية يسهم فى تقليص الكميات المعروضة محليًا، خاصة فى الفترات التى يتراجع فيها الإنتاج أو ترتفع تكلفته، فى المقابل يؤكد مصدرون أن التصدير ليس السبب الوحيد، مشيرين إلى عوامل أخرى مثل تغيرات الطقس، وارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة والنقل، فضلًا عن حلقات التداول والوسطاء.

عوامل متعددة

وتعليقا على ذلك أكد حاتم نجيب، رئيس شعبة الخضراوات والفاكهة بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن الدولة لا تسمح بتصدير المنتجات الزراعية والغذائية إلا بعد التأكد من توافر احتياجات السوق المحلية وتحقيق الاكتفاء الذاتى، مشددًا على أن ارتفاع أسعار بعض السلع الزراعية خلال الفترات الأخيرة لا يرتبط بالتصدير فقط، وإنما بمجموعة من العوامل المتشابكة فى مقدمتها التغيرات المناخية والاضطرابات الجوية التى أثرت بشكل مباشر على حجم وجودة الإنتاج.

وقال نجيب، فى حديثه لـ”الوفد”، إن القطاع الزراعى يواجه تحديات متزايدة نتيجة حالة عدم الاستقرار المناخى التى تشهدها مصر والعالم خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن موجات الحرارة المرتفعة والتقلبات الجوية الحادة أثرت بشكل واضح على معدلات الإنتاج الزراعى للعديد من المحاصيل، وهو ما انعكس بدوره على حجم المعروض فى الأسواق وأسعار المنتجات.

وأضاف أن التغيرات المناخية لم تؤثر فقط على كميات الإنتاج، بل تسببت أيضًا فى ظهور وانتشار العديد من الآفات الزراعية والأمراض التى أصبحت تمثل تحديًا كبيرًا أمام المزارعين، خاصة فى بعض المحاصيل الاستراتيجية التى يعتمد عليها المستهلك المصرى بصورة يومية.

وأشار رئيس شعبة الخضراوات والفاكهة إلى أن الطماطم والليمون والفلفل والخيار من أكثر المنتجات التى تعرضت لتأثيرات التغيرات المناخية خلال الفترة الماضية، لافتًا إلى أن هذه المحاصيل شهدت ضغوطًا كبيرة نتيجة انتشار بعض الآفات الزراعية وتراجع الإنتاجية فى عدد من المناطق الزراعية.

وأوضح أن الفلاح المصرى أثبت على مدار السنوات الماضية قدرته على التعامل مع الأزمات الزراعية المختلفة، مؤكدًا أنه يمتلك خبرات متراكمة تساعده على مواجهة العديد من المشكلات التى تواجه المحاصيل الزراعية، حتى وإن كانت الإمكانيات المتاحة محدودة فى بعض الأحيان.

وقال إن الفلاحين يلجأون فى كثير من الحالات إلى وسائل تقليدية وأدوات بسيطة لمكافحة الآفات الزراعية والحفاظ على المحاصيل، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب دعمًا أكبر من الجهات المختصة لمواكبة التحديات الجديدة التى فرضتها التغيرات المناخية.

وثمّن نجيب الجهود التى تبذلها وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى فى مجال تطوير البذور والتقاوى وتحسين السلالات الزراعية، مؤكدًا أن هذه الخطوات تسهم فى رفع جودة المنتج الزراعى وزيادة قدرته على مقاومة الأمراض والظروف المناخية المتغيرة، بما يساعد على استقرار الإنتاج والأسعار على المدى الطويل.

وأضاف أن أحد أبرز التحديات التى تواجه الأسواق المصرية لا يتعلق بالإنتاج فقط، وإنما يمتد إلى منظومة التسويق وتعدد حلقات التداول بين المنتج والمستهلك النهائى، مشيرًا إلى أن كثرة الوسطاء تؤدى فى كثير من الأحيان إلى رفع الأسعار بصورة لا تعكس التكلفة الحقيقية للمنتج.

وأوضح أن الأسواق الشعبية بشكل خاص تشهد وجود حلقات وسيطة متعددة يصعب أحيانًا إخضاعها للرقابة، الأمر الذى يسهم فى حدوث تشوهات سعرية وأزمات متكررة فى بعض السلع، رغم توافرها فى مناطق الإنتاج بأسعار أقل بكثير من تلك التى تصل إلى المستهلك.

وشدد على أهمية تحديث قواعد البيانات الزراعية بصورة دورية ومستمرة، بحيث تتضمن معلومات دقيقة حول حجم الإنتاج والاستهلاك والمخزون المتاح من مختلف السلع الزراعية، بما يساعد متخذى القرار على التدخل المبكر لعلاج أى اختلالات محتملة فى الأسواق قبل تفاقمها.

كما دعا إلى إعادة تفعيل الدور الحيوى للجمعيات الزراعية والمرشد الزراعى، مؤكدًا أن الإرشاد الزراعى يمثل إحدى أهم الأدوات القادرة على تحسين الإنتاجية ورفع كفاءة المزارعين فى التعامل مع المشكلات الزراعية الحديثة.

وأكد نجيب أن تحقيق الاستقرار فى الأسواق يبدأ من ضمان عائد عادل ومجزٍ للفلاح، بما يشجعه على الاستمرار فى الزراعة والتوسع فى الإنتاج، مشيرًا إلى أن المزارع يواجه أعباء متزايدة تتعلق بأسعار مستلزمات الإنتاج والنقل والعمالة.

وأضاف أن جميع أطراف المنظومة الاقتصادية قد يتعرضون للخسائر فى حال غياب التوازن داخل السوق، سواء المنتج أو التاجر أو المستهلك، وهو ما يتطلب تدخلًا فعالًا من الحكومة لضبط الأسواق وتعزيز الرقابة على حلقات التداول المختلفة.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن استقرار أسعار السلع الزراعية يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين دعم الإنتاج الزراعى، وتطوير منظومة التسويق، وتوفير البيانات الدقيقة، وتعزيز الرقابة على الأسواق، بما يحقق التوازن بين مصالح المنتجين والتجار والمستهلكين، ويحافظ فى الوقت نفسه على الأمن الغذائى واستقرار الأسواق المحلية.

المواطن فى صدارة الأولويات

«المواطن يجب أن يكون فى صدارة أولويات الدولة خاصة فيما يتعلق بتوفير احتياجاته الأساسية من الغذاء» هكذا بدأ أحمد شيحة رئيس شعبة المستوردين السابق حديثه، مشددًا على أنه “لا يوجد ما يُبرر نقص السلع أو ارتفاع أسعارها مقابل الحفاظ على العملة الصعبة”.

وأوضح شيحة، فى حديثه لـ”الوفد”، أن سياسات الدولة الاقتصادية تهدف بالأساس إلى توفير العملة الأجنبية وخفض معدلات التضخم، إلى جانب تعزيز السيولة الدولارية بما يسهم فى ضبط الأسواق وتنظيم عمليات الاستيراد والتصدير، معتبرًا أن “مصلحة المواطن هى فى النهاية مصلحة الوطن”.

وأضاف أن احتياجات المواطن اليومية من غذاء وشراب ومعيشة يجب أن تكون أولوية مطلقة، مؤكدًا على ضرورة إعادة النظر فى سياسات تصدير بعض السلع الغذائية فى حال كان ذلك يؤدى إلى نقصها فى السوق المحلى أو ارتفاع أسعارها.

واستشهد شيحة بالمثل الشعبى “اللى يحتاجه البيت يحرم على الجامع”، فى إشارة إلى أهمية توجيه الإنتاج المحلى أولًا لتلبية احتياجات السوق الداخلى قبل التوسع فى التصدير.

كما شدد على ضرورة التريث فى تصدير المنتجات الغذائية حتى يتحقق الاكتفاء الذاتى الكامل، على أن يتم التصدير لاحقًا من فائض الإنتاج بما لا يضر بالسوق المحلى أو يضغط على الأسعار، مؤكدًا أن ضبط التوازن بين الاستيراد والتصدير يمثل مفتاح الاستقرار الاقتصادى وحماية المستهلك.

احتياجات المواطنين

من ناحية أخرى أكد متى بشاى، رئيس لجنة التجارة الداخلية بالشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن تصدير السلع والمنتجات الغذائية إلى الخارج يفترض بالأساس وجود فائض فى الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتى للسوق المحلية، مشيرًا إلى أن السماح بالتصدير لا يتم عادة إلا بعد التأكد من تلبية احتياجات المواطنين.

وقال “بشاي”، فى حديثه لـ”الوفد”، إن الارتفاعات التى شهدتها أسعار عدد من السلع الغذائية والخضراوات خلال الفترة الأخيرة، وعلى رأسها الطماطم وبعض المنتجات الزراعية الأخرى، تثير العديد من علامات الاستفهام التى تستوجب البحث والدراسة، موضحًا أن الأزمة لا يمكن اختزالها فى التصدير فقط، وإنما تتداخل فيها عوامل متعددة تتعلق بحركة الأسواق وآليات الرقابة والتوزيع.

وأضاف أن هناك تساؤلات مشروعة يطرحها المواطنون بشأن الأسباب الحقيقية وراء موجات الغلاء المتكررة، من بينها: هل تعود هذه الزيادات إلى جشع بعض التجار؟ أم إلى ضعف الرقابة على الأسواق؟ أم إلى وجود ممارسات احتكارية تؤثر على الأسعار وتزيد الأعباء على المستهلك النهائي؟

وأشار إلى أن السوق المصرية شهدت خلال الأشهر الماضية أزمة ملحوظة فى أسعار البيض والدواجن، رغم استمرار عمليات التصدير وعدم وجود مؤشرات واضحة على نقص الكميات المعروضة محليًا، وهو ما يؤكد أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط دائمًا بالتصدير وحده، بل قد يكون نتيجة عوامل أخرى تتعلق بمنظومة التداول والتسعير داخل الأسواق.

وشدد رئيس لجنة التجارة الداخلية على أهمية تكثيف الرقابة على الأسواق ومواجهة أى ممارسات غير مشروعة تؤدى إلى رفع الأسعار بصورة مبالغ فيها، مؤكدًا أن حماية المستهلك تتطلب إجراءات حاسمة لردع محاولات الاستغلال أو التلاعب بالأسعار، خاصة فى السلع الأساسية التى تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح أن بعض السلع الزراعية تخضع بطبيعتها للعوامل الموسمية، حيث تتوافر بكميات كبيرة خلال مواسم الإنتاج، بينما تتراجع معدلات المعروض فى فترات أخرى من العام، وهو ما قد يؤدى إلى ارتفاع الأسعار نتيجة انخفاض الكميات المتاحة فى الأسواق.

وأضاف أن مصر تحقق مستويات جيدة من الاكتفاء الذاتى فى عدد من السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها السكر والأرز، إلا أن ذلك لا يمنع حدوث تذبذبات مؤقتة فى المعروض خلال بعض الفترات بين المواسم الزراعية، وهو أمر طبيعى فى العديد من الأسواق.

وأكد بشاى أن الأولوية يجب أن تكون دائمًا لتلبية احتياجات السوق المحلية وضمان توافر السلع للمواطنين بأسعار مناسبة، مشددًا على ضرورة عدم السماح بتصدير أى سلعة أو منتج غذائى فى حال وجود احتياج فعلى له داخل السوق المصرية أو وجود مؤشرات على نقص المعروض وارتفاع الأسعار.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن تحقيق التوازن بين دعم الصادرات وتوفير السلع للمواطنين بأسعار عادلة يتطلب منظومة رقابية فعالة وقواعد واضحة لإدارة الأسواق، بما يضمن الحفاظ على الأمن الغذائى وحماية المستهلك دون الإضرار بمصالح المنتجين والمصدرين.