إطلالة
شكوى ل "الوزراء" ضد بيروقراطية الشباب
في الوقت الذي تمضي فيه الدولة المصرية بخطوات متسارعة نحو التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية وتسهيل الإجراءات على المواطنين، فوجئت برد أثار لديّ الكثير من التساؤلات والاستغراب عندما تقدمت ببلاغ إلى جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة، يتعلق بقيام ايهاب أمين رئيس اتحاد الجمباز بمنع ابنتي من دخول البطولة القادمة المحدد موعدها خلال أيام، والتي قمت بدفع رسومها المادية وكذلك التكلفة علي مدار شهور من تدريب واشتراك نادى بالإضافة إلي تهيئة اللاعبة نفسياً أنها سوف تخوض المسابقة ضمن زميلاتها ، لمجرد أنني رصدت كصحفية واقعة تزييف عندما منحت ابنة وزير البترول الميدالية الذهبية دون وجه حق وانتقاد كبير وسط جمهور اللعبة من مدربين وأولياء أمور. وكان رد الوزير أن الشكوى لا بد أن تُقدم شخصيًا في مقر الوزارة بالعاصمة الإدارية الجديدة، وأنه لا يمكن قبولها إلكترونيًا.
هذا الرد لا يثير فقط تساؤلات حول آليات تلقي الشكاوى، بل يطرح قضية أكبر تتعلق بمدى توافق بعض الممارسات الإدارية مع التوجه العام للدولة نحو الرقمنة والتيسير على المواطنين.
لقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة طفرة كبيرة في مجال الخدمات الرقمية، وأصبحت العديد من المعاملات الحكومية تُنجز إلكترونيًا دون الحاجة إلى الانتقال بين المحافظات أو تحمل أعباء السفر والانتظار. كما أن الجهات الحكومية المختلفة دأبت على تشجيع المواطنين على استخدام الوسائل الإلكترونية في التواصل وتقديم الطلبات والشكاوى، باعتبار ذلك أحد أهم مظاهر التطوير الإداري وتحسين جودة الخدمات.
ومن هذا المنطلق، كان من الطبيعي أن أتساءل: لماذا يُطلب من مواطن أن يقطع مسافات طويلة من أجل تقديم شكوى يمكن استلامها إلكترونيًا والتحقق من مستنداتها بالوسائل الحديثة المتاحة؟ ولماذا يتم التمسك بإجراء تقليدي في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من منظومة العمل الحكومي؟
لقد أوضحت خلال الحوار أن ظروفي الشخصية لا تسمح لي بالتوجه إلى العاصمة الإدارية في الوقت الحالي، خاصة أن زوجي تعرض لحادث وأمضي أغلب وقتي إلى جانبه لرعايته. كما أكدت استعدادي الكامل لإرسال الشكوى والمستندات كافة عبر البريد الإلكتروني أو أي منصة رسمية تعتمدها الوزارة، إلا أن هذا المقترح قوبل بالرفض.
الأمر هنا لا يتعلق بشخصي فقط، وإنما يتعلق بحق أي مواطن في الوصول إلى الجهات الحكومية بطريقة ميسرة وعادلة. فهناك كبار السن، والمرضى، وذوو الإعاقة، والمواطنون المقيمون في محافظات بعيدة، فهل يصبح تقديم شكوى أو التماس حقًا مشروطًا بالقدرة على السفر والتنقل؟
إن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يتوافق هذا الموقف مع فلسفة الدولة الحالية التي تستهدف تقليل الاحتكاك المباشر وتبسيط الإجراءات الحكومية؟ أم أننا أمام اجتهاد إداري يحتاج إلى مراجعة حتى لا يتحول إلى عائق أمام المواطنين الراغبين في إيصال أصواتهم ومطالبهم المشروعة؟
كما أن ما أثار استغرابي أكثر هو الإصرار على رفض أي بديل إلكتروني رغم أن الوزارة نفسها كانت خلال فترات سابقة تتيح قنوات تواصل وشكاوى عبر صفحاتها الرسمية ومنصاتها المختلفة، وهو ما كان يمثل خطوة إيجابية تحسب لها في تسهيل التواصل مع الجمهور. وللأسف لا أعرف هذا الرفض من أجل العرقلة ضد المواطنين ومخالفة ما تقوم به الدولة أم لوجود علاقة شخصية بين الوزير ورئيس الاتحاد والتي شاهدها الجميع بمواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك من صورهم أثناء حضورهم حفل زفاف سوياً.
وفي ظل هذه الواقعة، تبرز الحاجة إلى مزيد من الوضوح بشأن آليات استقبال الشكاوى والبلاغات داخل المؤسسات الرياضية، حتى يشعر المواطن بأن صوته مسموع وأن حقه في التقدم بشكوى لا يرتبط بإجراءات معقدة أو أعباء إضافية.
أما فيما يتعلق بالتساؤلات التي قد يطرحها البعض حول أسباب هذا التشدد أو خلفياته، فإن الإجابة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على الافتراضات أو الاستنتاجات الشخصية، وإنما يجب أن تكون من خلال توضيح رسمي وشفاف من الجهة المختصة يبين أسباب رفض استقبال الشكوى إلكترونيًا، خاصة في ظل التوجه العام نحو الرقمنة.
إن الثقة بين المواطن والمسؤول تُبنى على الشفافية، كما أن تعزيز مصداقية المؤسسات يبدأ من ضمان سهولة الوصول إليها وإتاحة قنوات فعالة للتواصل معها. لذلك فإنني أتوجه بهذه الكلمات إلى رئاسة مجلس الوزراء، ليس بحثًا عن استثناء شخصي، وإنما طلبًا لتوضيح موقف إداري أراه بحاجة إلى مراجعة، وللتأكد من أن ما تحقق من خطوات في مجال التحول الرقمي لن يتراجع أمام ممارسات تعيد المواطنين إلى أساليب تجاوزها الزمن.
إن مصر التي تبني الجمهورية الجديدة وتستثمر في التكنولوجيا والبنية الرقمية تستحق أن تكون جميع مؤسساتها متسقة مع هذا التوجه، وأن يجد المواطن طريقه إلى حقه وشكواه بسهولة ويسر، لا أن يواجه عراقيل تجعله يشعر بأن التطوير الذي يراه في كل مكان لا يزال بعيدًا عن بعض الإجراءات التي تمس حياته اليومية بشكل مباشر.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل ستكون هناك مراجعة لهذه الإجراءات بما يتوافق مع رؤية الدولة نحو التحول الرقمي، أم سيظل المواطن مطالبًا بالسفر والانتقال من أجل ممارسة حق أصيل كفله له الدستور والقانون؟
.