القوى الناعمة تهدد أمننا القومي
كنا دائماً بنربط كلمة الأمن القومي بالقوات المسلحة، والسلاح، والحدود، ولكن في الحقيقة اللي لازم نواجهها إن الأمن القومي بيبدأ من داخل بيوتنا، ومن لمتنا على الطبلية، ومن شكل الشارع بتاعنا، فالسلاح بيحمي الأرض، بس الهوية والأسرة المتماسكة والمجتمع اللي ضهره في ضهر بعضه هو اللي بيحمي الإنسان نفسه، ولما القوة الناعمة بتتحول لأداة تغريب بتلعب في دماغ أولادنا، هنا بيبدأ الخطر الحقيقي اللي بيهد كل الأركان دي من غير ولا طلقة رصاص واحدة، فالأمن القومي مش شعارات في التلفزيون، الأمن القومي بيبدأ من البيت، ومن طابور المدرسة، وحتى من قعدتنا على القهوة، بيبدأ من كل مصري قرر يحافظ على هويته وناسه.
الحل هنا مش إننا نقفل على نفسنا ونعيش في عزلة عن العالم، الزمن ده فات ومحدش يقدر يعمله، ولكن الحل في المرونة، يعني نفتح شبابيكنا على العالم عادي، بس نفضل واقفين على أرض صلبة وجذورنا في مكانها، نشجع الفن اللي بيشبهنا وبيرجع لنا قيمنا، وندعم منتجنا المحلي، ويبقى عندنا إعلام رقمي واعي وعينه على بلده وثقافته.
الغريب في الموضوع هو إننا بقينا نشوف بعنينا تآكل واضح في قيمنا الأسرية، وكل ده بسبب نقل أنماط حياة غريبة عننا وعن طبعنا وعاداتنا وتقاليدنا اليومية، فلما بتفتح التليفزيون أو الموبايل بتلاقي مسلسلات وبرامج ميزانياتها ضخمة، متفصلة وممولة علشان تلمع أفكار تانية خالص غير اللي تربينا عليها، فلما تفتح الشاشة تلاقي فنان أو ممثل طالع لابس حلق، أو عامل ضفيرة في شعره، أو ماشي بتقليعة غريبة وشاذة تماماً عن تقاليدنا وعاداتنا، والمصيبة إن الحاجات دي بتتسوق للشباب على إنها هي دي الموضة والروشنة، ومثال على ذلك الأنانية المفرطة في الأعمال دي بقت شطارة، وفكرة إن الواحد يعيش لنفسه ولشياكته الخارجية بس بقت هي الصح، في مقابل تقليل واضح من قيمة اللمة والأسرة، ده غير تصدير سلوكيات بتخبط مباشرة في أعرافنا.
واللي يزعل إن الأسرة المصرية دي طول عمرها هي الوتد، وهي الأساس وخط الدفاع الأول اللي حامي المجتمع ده من إنه يتفكك، فلما تيجي القوى الناعمة دي وبدل ما تبني، تبدأ تخلخل في جدران البيت وتزرع قيم غريبة طبيعي المجتمع كله بيتهز، وخلونا نكون صرحا مع نفسنا لان التفكك الأسري ده مش مجرد خناقة في بيت، ده معناه جريمة في الشارع، وإدمان، وانحراف، ودي كلها تهديدات بتمس أمننا الداخلي في مقتل، وفي حياتنا اليومية بقيت تشوف ده بوضوح لما تلاقي الشاب من دول كل كلامه عن الاستقلال المطلق، وإنه عايز يعيش حياته ومحدش يحاسبه، ويقعد يقلد الممثل ده في الحلق أو الضفيرة أو التقليعة اللي مش شبهنا، في نفس الوقت اللي أبوه وأمه بيكلموه فيه عن الأصول، والسند، والتضامن الأسري، وتلاقي البنت متمردة على أهلها وشايفة كلامهم دقة قديمة، بس لمجرد إنها اتفرجت على مسلسل مصور لها إن الحياة الحرة اللي من غير أي قيود أو التزامات هي دي قمة السعادة، كل هذا التناقض خلق فجوة وخناقة مكتومة بين الأجيال، والنتيجة إن التماسك اللي كان ميزتنا وسندنا بقى بيضعف يوم بعد يوم بسبب القوى الناعمة اللي أساءت استخدام الفن وحولته من رسالة لسلعة بتهد في وعي الناس.
وعلشان نقفل الكلام ونحط النقط على الحروف الحكاية كلها بتتلخص في كلمة واحدة وهي الوعي، الأمن القومي لبلد بحجم مصر مش شعارات بنرددها، ولا مجرد كلام مكلكع بنسمعه في النشرات، فالأمن القومي الحقيقي هو إحساسك بمسؤوليتك تجاه بيتك وناسك وثقافتك، والفن اللي بيدخل شاشاتنا وبيوتنا يا إما هيبني إنسان شغال ومنتمي، يا إما هيطلع جيل تائه ومغترب جوه بلده، لابس تقاليع مش شبهنا وبيدور على برستيج وهمي وخلاص.
الحدود المحمية بالسلاح محتاجة جبهة داخلية قوية وساندة ضهرها، والأسرة المتماسكة هي الأساس اللي بيقوم عليه الوطن ده، لأن مفيش بلد بتقف على رجليها وهي مستوردة هويتها وطريقتها في العيشة من برة، وفي الأخر الأمان بيبدأ من عندك أنت ومن خياراتك البسيطة كل يوم وبيبدأ من البيت، ومن طابور المدرسة، ومن كلمة حق بيقولها فنان بيحب البلد دي بجد، ومن كل مواطن مصري أصيل قرر إنه ما يتنازلش عن هويته وأصوله ويفضل واقف على أرض صلبة ومحافظ على طبع ابن البلد الحقيقي.