بين ضرورات الدولة وتحديات الواقع
يمثل ملف حصر سلاح المليشيات في العراق أحد أكثر القضايا حساسية وتشابكًا في المشهد السياسي والأمني. فمنذ عام ٢٠٠٣، ومع انهيار مؤسسات الدولة، ظهرت جماعات مسلحة متعددة الولاءات، بعضها نشأ لمقاومة الاحتلال، وبعضها الآخر بدوافع طائفية أو قبلية أو حتى اقتصادية. وبمرور الوقت، تحوّلت هذه التشكيلات إلى قوى مؤثرة في القرار السياسي، وتمتلك نفوذًا ميدانيًا يوازي أو يتفوق أحيانًا على سلطة الدولة.
يمثل حصر السلاح بيد الدولة شرط أساسي لترسيخ السيادة، وضمان وحدة القرار الأمني، وتحقيق العدالة. فوجود سلاح منفلت يهدد الاستقرار الداخلي، ويقوض ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية. كما أن ازدواجية القوة العسكرية تعيق جهود التنمية، وتضعف قدرة الحكومة على فرض القانون، وتفتح الباب أمام الصراعات المسلحة بين الفصائل المختلفة، أو حتى بين هذه الفصائل وأجهزة الدولة.
المعضلة الكبرى أن بعض المليشيات ليست مجموعات خارجة عن القانون بالمعنى التقليدي، بل هي مكوّنات شبه رسمية، تم دمج بعضها في الحشد الشعبي، الذي اكتسب شرعية قانونية بعد فتوى "الجهاد الكفائي" في ٢٠١٤. وهي فتوى أصدرها المرجع الديني الأعلى في العراق حيث تضمنت الفتوى دعوة القادرين على حمل السلاح من المواطنين إلى التطوع للانضمام إلى القوات الأمنية للدفاع عن العراق وشعبه ومقدساته ضد تنظيم داعش. استجاب لهذه الدعوة عشرات الألاف من العراقيين، مما أدى إلى تأسيس ما عُرف لاحقًا بهيئة الحشد الشعبي.
غير أن بقاء سلاح هذه الفصائل خارج منظومة الإطار العسكري الكامل يجعلها قادرة على العمل باستقلال نسبي، وربما مخالفة التوجهات الحكومية، خاصة في الملفات الأمنية أو السياسية أو الاقتصادية الحساسة.
علاوة على ذلك، يزيد النفوذ الخارجي، وخاصة الإيراني والأمريكي من تعقيد المشهد. فبعض الفصائل المسلحة مرتبطة عقائديًا وتنظيميًا بدول إقليمية، ما يجعل ملف السلاح غير مرتبط فقط بالسياسة الداخلية، بل جزءًا من صراع النفوذ في المنطقة. إذ أن أي محاولة جادة لحصر السلاح ستصطدم بهذه التشابكات، ما لم تُدار ضمن تسوية سياسية أوسع.
تتراوح الحلول بين الدمج التدريجي للمليشيات ضمن قوات نظامية، مع إخضاعها للتدريب والانضباط العسكري، وبين نزع السلاح مقابل حوافز اقتصادية واجتماعية. لكن هذه الإجراءات تحتاج إلى إرادة سياسية قوية، ودعم شعبي، وضمانات أمنية تحول دون فراغ أمني تستغله جماعات متطرفة في المنطقة.
في النهاية، إن حصر سلاح المليشيات في العراق ليس مهمة أمنية بحتة، بل عملية سياسية واجتماعية معقدة، تتطلب معالجة جذور الظاهرة: من ضعف مؤسسات الدولة، وتعدد الولاءات، وغياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية. ودون رؤية شاملة وإجماع وطني، سيبقى السلاح المنفلت عقبة أمام استقرار العراق وبناء دولته الحديثة، وقد يتحول إلى أداة دائمة لابتزاز السلطة وعرقلة مسارها وتقويض سيادتها.