بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

حياة بالتقسيط!

 

لم يعد التقسيط مجرد وسيلة للشراء، ولكن في الحقيقة نحن أمام أسلوب حياة كامل، فهناك من يقسط هاتفه وثلاجته وأثاث بيته وطعامه أيضًا، والأخطر من ذلك أن أحلام الناس نفسها أصبحت تُقسط وتُؤجل، يؤجل الإنسان ما كان يجب أن يفعله اليوم إلى عام قادم، فتتحول الحياة إلى سلسلة من التأجيل المستمر دون نهاية واضحة، ويصبح الزمن نفسه جزءًا من معادلة الأقساط الثقيلة، وهكذا يتغير معنى الحياة من إنجاز إلى انتظار مستمر.  


يبدأ المواطن كل شهر معركة حسابية مع الدخل المحدود، بين الإيجار وفواتير الكهرباء والمياه والغاز، ومصاريف المدارس والدواء والطعام والمواصلات، تتسع الالتزامات بينما يظل الراتب ثابتًا أو أقل من المطلوب، فيكتشف أن الشهر أطول من قدرته المالية بكثير، وأن الاحتياجات تتكاثر أسرع من دخله المحدود، فتصبح الحياة اليومية محاولة دائمة لتغطية العجز.


ومع هذا الضغط المتواصل الأزمة لم تعد مالية فقط،  وتحولت إلى عبء نفسي يعيد تشكيل وعي الإنسان، فيبتعد تمامًا عن  التفكير في المستقبل، ويسلط الضوء فقط على النجاة  حتى نهاية الشهر، وتتقلص الأحلام من مشاريع كبرى إلى أمنيات صغيرة، ثم إلى مجرد محاولات للبقاء دون انهيار، ويختفي مفهوم التخطيط الطويل تحت ثقل الالتزامات.


ورغم المؤشرات الاقتصادية التي تتحدث عن النمو والاستقرار، فإن الواقع اليومي يكشف صورة مختلفة تمامًا، آباء يؤجلون احتياجاتهم من أجل أبنائهم، وأمهات يقتصدن في أبسط تفاصيل الحياة، وشباب يتراجعون عن الزواج وبناء المستقبل، وتتشكل هنا معاناة الطبقة الوسطى التي كانت العمود الفقري للمجتمع، وتعيش بين دخل محدود ومتطلبات لا تنتهي، فتتآكل قدرتها على الصمود تدريجيًا.


وفي ظل هذا الواقع يتحول الراتب إلى مجرد محطة عبور سريعة للأموال، قبل أن تتوزع على الإيجار والفواتير والديون والالتزامات، ومع كل قسط جديد تضيق مساحة الأمان المالي وتقل فرص الادخار، وتصبح الحياة أكثر هشاشة أمام أي طارئ، وهكذا لم يعد الدخل وسيلة للاستقرار بل وسيلة للبقاء فقط.


إن هذا الواقع يحيل الحياة إلى حالة انتظار طويلة.. انتظار الراتب، ثم انتظار الفرج، وانتظار انخفاض الأسعار الذي لا يأتي أبدًا، ومع كل انتظار تتآكل أجزاء من العمر دون أن نشعر، ويكتشف الإنسان أنه لم يؤجل شراء الأشياء فقط وأجل سنوات من حياته وأحلامه أيضًا، فما أثقل الحياة عندما تكون بالتقسيط!.