تعظيم العائد الاقتصادى بزيادة التصدير وخفض البطالة
البنية التحتية تمهد طريق الاستثمارات
حققت مصر خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً فى مؤشرات جودة وكفاءة البنية التحتية، مدعوماً بتنفيذ مشروعات ضخمة فى مجالات الطرق والكبارى والموانئ والمرافق، شملت إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق والمحاور والكبارى، وتطوير الموانئ البحرية والجافة والمناطق اللوجستية، إلى جانب التوسع فى مشروعات الطاقة والمدن الجديدة، هذه الطفرة انعكست بشكل واضح على تحسن ترتيب مصر فى العديد من المؤشرات الدولية الخاصة بجودة البنية التحتية والقدرة التنافسية، لتصبح أحد أهم عناصر الجذب الاقتصادى والاستثمارى خلال المرحلة الحالية، ويظل التساؤل قائماً حول مدى قدرة البنية التحتية على ترجمة هذه الإنجازات إلى فرص عمل حقيقية وزيادة الصادرات وجلب العملة الأجنبية بما ينعكس على مستوى معيشة المواطنين.

أوضح كرم سلام، الخبير الاقتصادى الدولى ومستشار العلاقات الاقتصادية الدولية، أن السبب فى تحسن ترتيب مصر فى مؤشرات البنية التحتية هو حجم الاستثمارات الضخمة التى ضختها الدولة فى مشروعات النقل والطرق والموانئ والطاقة خلال السنوات الماضية. فقد ساهمت شبكة الطرق القومية الجديدة فى ربط المحافظات والمناطق الصناعية والموانئ بعضها ببعض، بينما ساعد تطوير الموانئ البحرية على زيادة كفاءة حركة التجارة وخفض زمن الإفراج والنقل، وهو ما انعكس إيجاباً على تقييم المؤسسات الدولية لأداء البنية الأساسية المصرية، كما ساهمت مشروعات التحول الرقمى وتطوير خدمات الاتصالات والكهرباء فى رفع جودة الخدمات المقدمة للمستثمرين والمواطنين على حد سواء.
ولفت «سلام» إلى أن الدول الناجحة تنظر إلى البنية التحتية باعتبارها استثماراً طويل الأجل وليس مجرد إنفاق حكومى، وعندما تؤدى الطرق الجديدة والموانئ الحديثة إلى جذب مصانع جديدة وزيادة الصادرات واستقطاب الاستثمارات الأجنبية وخلق فرص العمل، فإنها تتحول فعلياً إلى أصول إنتاجية قادرة على توليد عوائد تساعد على سداد تكاليفها وتمويل النمو الاقتصادى المستقبلى، فالمستثمر يبحث دائماً عن ثلاثة عناصر رئيسية: سهولة النقل، وتوافر الطاقة، وسرعة الوصول إلى الأسواق، وعندما يجد المستثمر شبكة طرق حديثة وموانئ متطورة ومناطق لوجستية متكاملة، تنخفض تكلفة الإنتاج والنقل والتخزين، ما يزيد من تنافسية المشروع ويشجع على ضخ استثمارات جديدة. ولهذا أصبحت البنية التحتية أحد أهم معايير اتخاذ القرار الاستثمارى فى العالم، خاصة فى القطاعات الصناعية والتصديرية.
وعن القطاعات الأكثر استفادة من تطوير الطرق والموانئ.. أشار الخبير الاقتصادى إلى أن هناك عدة قطاعات تستفيد بشكل مباشر من هذه المشروعات، أبرزها: الصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، والتجارة الداخلية والخارجية، والزراعة والصناعات الغذائية، والسياحة، والتجارة الإلكترونية، وقطاع التشييد والبناء، والمناطق الاقتصادية الخاصة.
وأضاف أن القدرة التصديرية لأى دولة، تعتمد على جودة المنتج وسرعة وصوله إلى الأسواق الخارجية. وتؤدى الطرق الحديثة والموانئ المتطورة إلى تقليل تكلفة النقل والشحن وتقليص زمن التصدير، ما يمنح المنتجات المصرية ميزة تنافسية أكبر فى الأسواق العالمية، كما تساعد المناطق اللوجستية والموانئ الجافة على تسهيل حركة البضائع وتقليل الاختناقات الجمركية، وهو ما يرفع حجم الصادرات ويزيد حصيلة النقد الأجنبى، مؤكداً أن هذه العوائد ستساعد فى خفض أعباء الدين العام، ولكن بصورة غير مباشرة، فكلما ارتفعت الصادرات والاستثمارات والإنتاج وفرص العمل، زادت الإيرادات الضريبية للدولة وتحسن النمو الاقتصادى، وهو ما يؤدى إلى زيادة قدرة الاقتصاد على تحمل الدين وخفض نسبته إلى الناتج المحلى الإجمالى. وبالتالى نجاح البنية التحتية فى تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة يمثل أحد أهم المسارات لدعم الاستقرار المالى وتقليل الضغوط على الموازنة العامة.
أما عن التحديات التى تواجه المستثمرين، التى تحتاج إلى معالجة مستمرة، ومنها: تسريع إجراءات التراخيص، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتقليل زمن الإفراج الجمركى، واستقرار السياسات الاقتصادية، وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز التدريب الفنى وتأهيل العمالة، مضيفاً المستثمر يحتاج أيضاً إلى استقرار اقتصادى وتشريعى، وسهولة تحويل الأرباح، وشفافية الإجراءات، وكفاءة الجهاز الإدارى، ووضوح السياسات الضريبية والنقدية. لذلك النجاح الحقيقى يتحقق عندما تتكامل البنية التحتية مع الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، وهذا مطلوب لتعظيم الاستفادة الاقتصادية من البنية التحتية، ويجب ربط البنية التحتية بخطط التصنيع والتصدير، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة كثيفة العمالة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير التعليم الفنى والتدريب المهنى، وتسريع التحول الرقمى الحكومى، وزيادة كفاءة الموانئ والخدمات اللوجستية، وتوسيع الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، تعزيز التكامل بين المناطق الصناعية والموانئ.
وأضاف سلام أن المواطن سيشعر بالعائد المباشر لهذه الاستثمارات عندما تنجح هذه المشروعات فى خلق فرص عمل حقيقية وزيادة الدخول وتحسين الخدمات العامة وخفض تكاليف النقل والتوزيع، كما يظهر الأثر المباشر فى زيادة الاستثمارات الصناعية والتجارية التى تؤدى إلى نمو الإنتاج وتوفير السلع بأسعار أكثر استقراراً، لافتاً إلى أن كل استثمار جديد يعنى مصنعاً أو مشروعاً أو خدمة جديدة تحتاج إلى عمالة مباشرة وغير مباشرة، ومع زيادة التشغيل ترتفع دخول الأسر ويتحسن مستوى المعيشة وتتراجع معدلات الفقر، كما تنشط الأسواق المحلية ويزداد الطلب على السلع والخدمات، ما يخلق دورة اقتصادية إيجابية تدعم النمو والتنمية.