تصعيد عسكرى متبادل وترحيب أوروبى
«زيلينسكى» يدعو إلى وقف نار شامل.. و«بوتين» يسعى لاختراق العزلة الاقتصادية
دعا الرئيس الأوكرانى زيلينسكى نظيره الروسى فلاديمير بوتين أمس إلى اجتماع وجها لوجه، مقترحا وقفاً شاملاً لإطلاق النار طوال فترة المفاوضات، وجاءت المبادرة فى رسالة مفتوحة، وذلك بالتزامن مع التصعيد العسكرى الروسى فى مناطق أوكرانية متفرقة.
ونشر زيلينسكى رسالة وجهها مباشرة إلى بوتين، قال خلالها: «تقترح أوكرانيا إنهاء هذه الحرب عبر حوار مباشر بيننا وبينكم، أنا أقترح عقد اجتماع، وأقترح أن نحدد موعداً له»، وأضاف أن أوكرانيا: «مستعدة لوقف إطلاق نار شامل طوال فترة المفاوضات».
كما اقترح الرئيس الأوكرانى تبادلاً شاملاً لكل أسرى الحرب لدى الجانبين، واصفاً إياه بأنه يمكن أن يشكل «مقدمة جيدة لإنهاء الحرب».
وتعد هذه الرسالة واحدة من المبادرات النادرة التى يتوجه فيها زيلينسكى إلى بوتين مباشرة منذ بدء الغزو الروسى فى فبراير 2022.
وصرح الكرملين بأن الرئيس بوتين لم يطلع بعد على مضمون الرسالة، لكنه أشار إلى أن زيلينسكى يمكنه لقاء الرئيس الروسى فى أى وقت فى موسكو، غير أن زيلينسكى كان قد استبعد مسبقاً فى رسالته عقد أى اجتماع على الأراضى الروسية، دون أن يحدد مكاناً بديلاً.
وقبيل نشر الرسالة، جدد بوتين تشكيكه بشرعية زيلينسكى، وذلك على هامش المنتدى الاقتصادى الدولى فى سان بطرسبورج والمعروف بـ«دافوس الروسى»، وقال إن مسألة ما إذا كان زيلينسكى لا يزال الرئيس الشرعى لأوكرانيا تحتاج إلى تحليل فى إشارة إلى انتهاء ولايته الرئاسية البالغة خمس سنوات فى عام 2024.
ولم تجرِ أوكرانيا انتخابات رئاسية جديدة بسبب الأحكام العرفية المفروضة منذ بدء الحرب كما تحدث بوتين عن تقدم القوات الروسية على طول خط المواجهة وتزامنت تصريحاته مع هجوم أوكرانى بطائرات مسيرة استهدف المنتدى فى سان بطرسبورج، مسقط رأس الرئيس الروسى.
وتأتى المبادرة الأوكرانية فى وقت تعانى فيه جهود الوساطة، التى كانت تقودها واشنطن، من جمود كبير، فالمفاوضات التى جرت فى إسطنبول وأبوظبى وجنيف لم تحقق أى إنجاز يذكر فى القضية المتمثلة فى السيادة على الأراضى، خصوصاً فى شرق أوكرانيا، كما انصرف اهتمام الولايات المتحدة إلى التصعيد العسكرى مع إيران، مما قلص دورها الوسيط.
وفى رد فعل دولى، دعا الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، خلال قمة بين الاتحاد الأوروبى ودول البلقان فى تيفات عاصمة مونتينيجرو، إلى استئناف المحادثات للتوصل إلى سلام دائم بين أوكرانيا وروسيا، وقال ماكرون: «أعتقد أن الوقت قد حان الآن، بالنظر إلى كيفية تطور الوضع»، داعياً دول «تحالف الراغبين» لتوفير ضمانات أمنية لأوكرانيا إلى زيارة باريس فى 14 يوليو المقبل. لذا تمثل رسالة زيلينسكى المفتوحة محاولة دبلوماسية لخرق الجمود القائم، لكن التشكيك الروسى المستمر بشرعية الرئيس الأوكرانى، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية، يلقى بظلاله على فرص نجاح أى لقاء مرتقب.
وعلى جانب آخر، صرح بوتين فى كلمة خلال المنتدى الاقتصادى الذى تستضيفه مدينة سان بطرسبرج تحت شعار «الحوار البراغماتى.. الطريق نحو مستقبل مستقر» بأن الشائعات حول وجود مشاكل كبيرة فى الاقتصاد الروسى مبالغ فيها، مؤكداً أن الدين العام لا يتجاوز 15.6% من الناتج المحلى، وأن نسبة السكان تحت خط الفقر تراجعت إلى 6.7% متجاوزة الأهداف الموضوعة لعام 2030. كما أشار إلى ارتفاع الدخول الحقيقية بنسبة تتجاوز 28%، والأجور الحقيقية بأكثر من 25%، فى محاولة لطمأنة الأسواق والمستثمرين.
كما أعلن المتحدث باسم الكرملين دميترى بيسكوف أن بلاده «منفتحة على عودة الشركات الغربية وتشجع الاستثمارات الأجنبية»، معتبراً أن «أى اقتصاد يزدهر مع تدفق الاستثمارات»، وأضاف بيسكوف، خلال تصريحات له فى المنتدى، أن روسيا «بحاجة ماسة» إلى رؤوس الأموال الخارجية لتعزيز التنافسية وتحقيق التنمية.
وجاءت هذه التصريحات بعد سنوات من العزلة الاقتصادية المفروضة عبر عقوبات غربية مشددة، وهو ما يعكس تحولاً فى الخطاب الروسى قد يشير إلى سعى موسكو لكسر الحصار الاقتصادى.
وما بين تصريحات بوتين ومحاولاته إلى طمأنة المستثمرين، ومبادرة دبلوماسية أوكرانية لخرق الجمود، وميدان يشهد تصعيداً متواصلاً على الجانبين، يبقى مسار الوصول إلى نقطة التقاء معلقاً بين إرادة الحوار وتعقيدات الواقع، وخصوصاً مع غياب رد رسمى من موسكو على مبادرة زيلينسكى، وتمسك الكرملين بموقفه المتشكك إزاء شرعية الرئيس الأوكرانى، يبدو أن الطريق إلى أى تسوية ما زال طويلا وشائكا.