بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

المواطن المصري بين النكسة والانتصار

الحكمة تقول: "ان الشعوب التى تصنع تاريخها لا تُقاس بعدد هزائمها، بل بقدرتها على تحويل الهزيمة إلى نصر والانكسار إلى قوة".

في الخامس من يونيو عام 1967 تعرضت مصر والعالم العربي لواحدة من أقسى الهزائم في تاريخهما الحديث، فيما عُرف بنكسة يونيو.

ورغم قسوة الهزيمة ومرارة آثارها، لم تستسلم الدولة ولا الشعب، بل بدأت رحلة طويلة من الصمود وإعادة البناء انتهت بعد سنوات قليلة بانتصار أكتوبر 1973 الذي أعاد الثقة والكبرياء وأثبت أن الهزائم ليست قدرًا أبديًا.

لكن بعد مرور عقود على تلك النكسة، يظل سؤال آخر يفرض نفسه بقوة:
إذا كانت مصر قد نجحت في تجاوز نكسة يونيو والانتصار بعدها بسنوات قليلة، فمتى ينتصر المواطن المصري على أعبائه اليومية ومشكلاته المادية والمعنوية التي تحاصره من كل اتجاه؟

فالمواطن اليوم لا يخوض معركة على الجبهة، لكنه يخوض معركة أخرى لا تقل قسوة في تفاصيل حياته اليومية، معركة مع الأسعار، ومع فواتير لا تتوقف عن الارتفاع، ومع أعباء معيشية تتزايد عامًا بعد عام، ومع ضغوط نفسية واجتماعية تجعل كثيرين يشعرون بأن أحلامهم البسيطة ترجع إلى الخلف.

لقد كانت هناك سنوات كان المواطن يحلم خلالها بمستقبل أفضل، وبحياة أكثر استقرارًا، وبقدر من الرفاهية يليق بحجم جهده وتعبه، أما اليوم فقد تراجعت الأحلام لدى كثيرين حتى أصبح أقصى ما يتمناه البعض هو أن يمر الشهر دون أزمة مالية خانقة، أو دون زيادة جديدة في الأسعار تستنزف ما تبقى من دخله.

ما نعيشه اليوم ليس نكسة أرض، بل تراجع فى سقف الأحلام والطموحات والآمال كان يفترض أن تكبر مع الزمن، لا ان تنكمش تحت ضغط الواقع المعيشي القاسي، وهي نكسة مادية لا يكون عبورها إلا بانتصار اقتصادي ينعكس على حياة الناس قبل الأرقام والتقارير.

ولعل أخطر ما في الأمر أن الأزمة لم تعد مادية فقط، فالمواطن المصري بطبيعته قادر على الصبر والتحمل، وقد أثبت ذلك في أصعب الظروف والمنعطفات التاريخية.

لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الضغط الاقتصادي إلى حالة من الإحباط، وعندما يشعر الإنسان أن جهده لم يعد يكفي لتحقيق ما كان يعتبره قبل سنوات أمرًا طبيعيًا.

فالشاب الذي كان يحلم بتكوين أسرة أصبح يفكر أولًا كيف يؤمن تكاليف الحياة الأساسية، ورب الأسرة الذي كان يسعى لتحسين مستوى معيشته أصبح همه الأكبر الحفاظ على ما تبقى من قدرته الشرائية، أما أصحاب المعاشات الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، فأصبح كثير منهم يخوض معركة يومية مع الأسعار والدواء ومتطلبات الحياة.

والحقيقة أن المواطن المصري لا يطلب معجزة اقتصادية، ولا ينتظر أن يصبح ثريًا بين ليلة وضحاها، بل يريد فقط أن يشعر بأن تعبه ينعكس على حياته، وأن سنوات العمل والكفاح تقوده إلى مستقبل أفضل لا إلى مزيد من الضغوط والقلق.

فحين يفقد المواطن شعوره بأن الغد سيكون أفضل له ولأبنائه، تصبح الأزمة أكبر من مجرد أرقام اقتصادية، وتتحول إلى أزمة أمل وثقة في المستقبل.

فالمواطن المصري لم يفقد قدرته على الصبر، لكنه يتطلع إلى أن يرى ثمار هذا الصبر في حياته اليومية، كما رأى جيل يونيو من قبل ثمار صموده في انتصار أكتوبر.

لقد نجحت مصر بعد نكسة يونيو في استعادة الأرض والعِرض والكرامة الوطنية، ونجح شعبها في تحويل الهزيمة إلى نصر سجله التاريخ بأحرف من نور، بعدما تمسك بالأمل وتحمل سنوات طويلة من العمل والتضحيات والإعداد.

واليوم لا ينتظر المواطن معركة حربية جديدة، بل ينتظر معركة من نوع آخر، معركة تنتصر فيها القدرة على غلاء المعيشة، وينتصر فيها الأمل على الإحباط، وتنتصر فيها أحلام الناس على ضغوط الحياة.

فكما انتصرت مصر بعبور نكسة الأرض، يبقى الأمل أن ينتصر المواطن المصري يومًا على نكسة الأحلام التي تطارده يومًا بعد يوم، منتظرًا لحظة العبور، لا بحثًا عن معجزة، بل انتظارًا لانتصار جديد ينعكس على حياته ومستقبل أبنائه.