بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ترامب يوقع قرارا تنفيذيا جديدا لتنظيم الذكاء الاصطناعي

بوابة الوفد الإلكترونية

في تحول مفاجئ ومثير للجدل في السياسة التكنولوجية الأمريكية، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراراً تنفيذياً جديداً يهدف إلى وضع إطار عمل تنظيمي، يمنح الحكومة الفيدرالية القدرة على تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة قبل طرحها للجمهور. ويعكس هذا القرار، الذي جاء بصيغة مخففة مقارنة بالمسودات الأولى، تزايد القلق في الأوساط السياسية والأمنية من المخاطر السيبرانية الناجمة عن التطور المتسارع للأنظمة الذكية، وضرورة إيجاد توازن بين الابتكار التقني وحماية الأمن القومي.
وبموجب التوجيهات الجديدة الصادرة عن البيت الأبيض، تم تكليف مكتب مدير الأمن السيبراني الوطني، وهو الجهة الاستشارية الأولى للرئيس في هذا المجال، بمسؤولية تطوير آلية واضحة تتيح للولايات المتحدة مشاركة المعلومات المتعلقة بالثغرات البرمجية، التي تكتشفها أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة. وسيتم إرسال هذه التقارير والبيانات مباشرة إلى مشغلي البنية التحتية الحيوية في البلاد، بما في ذلك القطاعات المصرفية، المنشآت الخدمية المحلية، والمستشفيات؛ لضمان سد الثغرات قبل أن تصبح هذه النماذج متاحة للعامة بشكل واسع.
وكان من المتوقع في البداية الإعلان عن هذا القرار في وقت سابق، لكن البيت الأبيض فضّل تأجيل مراسم التوقيع إثر ضغوط مكثفة مارستها شركات التكنولوجيا الكبرى، وشخصيات بارزة في قطاع التقنية. وأوضح الرئيس الأمريكي لاحقاً في تصريحات صحفية، أنه لم يكن راضياً عن بعض الجوانب في الصياغة الأصلية للقرار، مما استدعى عقد اجتماعات مغلقة رفيعة المستوى داخل البيت الأبيض، انتهت بالاتفاق على تقليص الشروط التنظيمية، والاكتفاء بطلب طوعي يوجه لشركات الذكاء الاصطناعي لمشاركة أقوى نماذجها الرقمية، من أجل الخضوع لمراجعة حكومية تستمر لمدة 30 يوماً فقط! وتعتبر هذه المدة تراجعاً واضحاً عن المسودة السابقة التي كانت تمنح الحكومة مهلة تصل إلى 90 يوماً، في حين كانت أطراف في صناعة التقنية تضغط لخفضها إلى 14 يوماً فقط قبل صدور الإعلان النهائي.
ويرى خبراء السياسات الرقمية أن الفكرة الجوهرية من الاختبار، وتحديد الثغرات وإصلاحها قبل انتشار التقنيات، تبدو منطقية تماماً، لا سيما لحماية شبكات البنية التحتية الحيوية. ورغم ذلك، فإن الغموض الذي يكتنف الآلية الحالية يثير مخاوف حقيقية لدى منظمات الحقوق الرقمية، نظراً لأن الإجراءات المتبعة لا تمنح الجمهور رؤية واضحة حول معايير التقييم والمقارنة. ويحذر مراقبون من خطر استغلال هذا الغموض من قِبل أي إدارة حكومية لممارسة سلطات تعسفية، للتحكم في مواعيد إطلاق البرمجيات أو حظرها تحت ذريعة الدواعي الأمنية، لخدمة أهداف سياسية أو أيديولوجية لا صلة لها بالواقع.
ويمثل قرار ترامب بتنظيم القطاع تراجعاً ملحوظاً عن سياسته السابقة، حيث اتسمت خطته الصادرة في العام الماضي بتبني نهج تحرري، يفرض قيوداً قليلة جداً على الشركات المطورة (مثل أوبن إيه آي وغيرها). واقتصرت التدخلات السابقة على قضايا فكرية وأيديولوجية، مثل منع الجهات الفيدرالية من شراء أنظمة ذكاء اصطناعي تتهمها الإدارة بالتحيز الفكري، كما سعت الإدارة الفيدرالية لمنع بعض الولايات (مثل نيويورك وكولورادو) من سن قوانينها المحلية الخاصة لتنظيم التكنولوجيا، ووصل الأمر إلى توجيه وزارة العدل لتشكيل فرق عمل قضائية لمواجهة القوانين المحلية التي يراها الرئيس مرهقة للمستثمرين.
ويؤكد هذا التحول الجديد أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أخيراً أن المخاطر الأمنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي حقيقية، وتتطلب تحركاً حكومياً عاجلاً لحماية المنظومة المعلوماتية للبلاد، وعدم الاكتفاء بالتركيز على الجوانب الفكرية والاقتصادية فحسب، مما يمهد لمرحلة جديدة من الصراع بين صناع القرار وعمالقة وادي السيليكون حول حدود التدخل الحكومي في مستقبل التكنولوجيا.