الناصية
قبل أن يفوته قطار.. العمر!
المرة الوحيدة التى فاتنى القطار فيها طوال تاريخ سفرى لسنوات.. كانت عند عودتى إلى القاهرة بعد وفاة والدى، رحمه الله، وبعد انتهاء أيام العزاء نمت من التعب والحزن وصحوت متأخراً وفاتنى القطار.. يومها جلست على سريره الفارغ وبكيت فقد كان فى كل ليلة سفر أحدنا، يكاد لا ينام فى هذه الليلة ويوقظنا فى الصباح الباكر وقبل موعد القطار بساعات.. ولما كنا نقول له الوقت بدرى على موعد القطار يقول مقولته الشهيرة: «أنت تنتظر القطار.. لأن القطار لن ينتظرك»!
فى اليوم التالي.. كنت أقف فى الصباح الباكر على المحطة بجوار اللافتة الأسمنتية المكتوب عليها «نجع حمادي»، محاولاً الاختفاء وراءها من الشمس الساخنة.. وفجأة ظهر هذا الأب على رصيف المحطة الذى بدا كأنه طائر رخ ضخم، ولكنه بكرش، ومع ذلك لم يخل من أناقة بهدلتها الأيام، وهو يجرى وراء أولاده الذين انطلقوا جرياً فى كل الاتجاهات.. وكأن رصيف المحطة حوش المدرسة.. والأم تحاول الإمساك على من تطوله يدها منهم، حتى تمكنا من تجميعهم بجوار الشنط وأقفاص الطيور والكراتين التى كانت لمسحوقى الغسيل «سافو» و«رابسو» مربوطة بحبال الغسيل البلاستيك.. وكاد أن يدخل فى معركة بالأيدى مع شيالين المحطة الذين أحضروا حمولته، وسمعته يصرخ:
يا ناس حرام.. لازم أخرج منها من غير ولا قرش.. ما تاخدوا عيل من العيال أحسن؟!
وأخيراً وصل القطار وبعد خوض أكثر من صراع للصعود إلى القطار لكثرة المسافرين، ثم صراع الوصول للمقعد المحجوز مسبقاً لكثرة المودعين، وأخيراً الصراع مع الراكب الذى يجلس عليه من محطة الأقصر أو قنا وعامل نفسه نائم.. يدخل الأب المذعور وزوجته بأطفالهما والشنط والكراتين و«القفف» وأقفاص الفراخ والبط والحمام، ويملأون العربة بكل أنواع الصراخ.. صراخ الأب مع الركاب لإخلاء مقاعدهم وصراخ الأم على أولادها خوفاً من دهس المودعين، وصراخ الفراخ البط ورفرفة الحمام فى الأقفاص وفى عيونهم ذعر كما لو أن الصيادين يطاردونهم.. وكدت أصرخ معهم عندما رأيت الأب يزحف بكل حمولته نحوي، ويجلس مع أولاده بحمولته فى المقاعد الثلاثة التى بجواري، ولم أفق من الصدمة إلا عندما بادرنى بابتسامة خاطفة وهو يستجمع هيبته وقال:
pardon monsieur.. «أسف يا سيدي» (قالها بلكنة فرنسية رائعة).. وعندما شاهد دهشتى قال: زهقت من الصعيد.. كنت مدير مكتب المدير العام فى شركة السكر.. تعاملت مع الفرنسيين والبلجيك لما كانوا يديرون الشركة.. وكانت الدنيا شيك والمعاملات اشيك.. والجو كله هادى وبارفانات.. وبعد ثورة يوليو والتأميم طردوا الخواجات ووظفوا مصريين من الفلاحين ومن حوارى اسكندرية والقاهرة وصعايدة، فانقلبت الدنيا.. لا شياكة ولا رقة فى التعاملات.. وصوت عالى وشتيمة.. صبرت سنه واتنين وعشرة وعشرين على أمل إن الأحوال تتغير.. ولكن بتدهور أكتر والمعيشة أصعب.. قلت لنفسى إذا كانت العيشة بتكون قرف فعلى الأقل تكون فى القاهرة.. وطلبت نقلى لمصنع السكر بالحوامدية ووافقوا فلم أعرف اتعامل معهم ولا هم كانوا عارفين يتعاملوا معي.. تصور يا أستاذ.. مهندس كبير محترم ومدير.. يأتى الشغل كل يوم بنفس القميص والبنطلون وكأنه لا يشم.. قال عبارته الأخيرة ونام بعدها مباشرة!