خارج السطر
شمس بدران الذى لم يحكم
يقلب شهر يونيو المواجع، ويحيى الكسرات، ويرسم فى الرأس علامات الاستفهام والتعجب، خاصة كلما استعدنا ذكرى الهزيمة الأقسى فى يونيو 1967.
كانت هزيمة يونيو ومازالت أكبر درس للأمة المصرية الحديثة فى تاريخها بما تضمنته من انهيار ساحق لخطاب فردى استعلائى منتفخ زائف، أطلقته سلطة قاهرة فرضت ديكتاتورية مذلة ومارست قمعاً لا حدود له.
فى 5 يونيو 1967 ضربت طائرات إسرائيل مطاراتنا الجوية، ودمرت مواقعنا الاستراتيجية، واحتلت شبه جزيرة سيناء، وخلفت آلاف الشهداء والجرحى والنازحين، فتوقفت مسيرة التنمية، وتركزت كل الجهود اللاحقة سنوات تالية فى محو آثار العدوان، واسترداد الأرض السليبة.
ومنذ ذلك الحدث القاصم، صار التفكر فيما جرى شغفا لدى باحثين نابهين، فككوا وحللوا وفسروا كثيراً من الأمور المرتبطة بسياسات جمال عبدالناصر التى أفضت لهذه الكارثة، لكن ثمة أسئلة ظلت دون إجابات يقينة. منها مثلاً ما طرحته من قبل إن كان جمال عبدالناصر جادا فى قرار تنحيه عن السلطة، وتكليف زكريا محيى الدين برئاسة الجمهورية بدلًا منه.
إن الأستاذ محمد حسنين هيكل يورد فى هذا الحدث شهادة عجيبة وغريبة لكنها مزعجة، لأنها لو صدقت لأكدت ضحالة مستوى التفكير والإدارة والوعى لدى عبدالناصر الذى ترأس بلداً عظيماً لستة عشر عاماً.
يقول الأستاذ هيكل فى شهادته أنه تحدث إلى الرئيس عبدالناصر يوم 8 يونيو، وفوجئ به يخبره بقرار تنحيه عن السلطة عقب الهزيمة، والتى بررها بأن عبدالحكيم عامر أضاع البلد، لكنه هو المسئول فى النهاية لذا يجب أن يترك رئاسة الجمهورية. لكن الخطير فى الأمر أن عبدالناصر أخبره باختياره لشمس بدران وزير الحربية رئيسا مؤقتاً لحين تنظيم الأوضاع.
وتعنى حكاية هيكل أن عين «عبدالناصر» لا ترى الأصلح لمصر وهو يقامر بمصائر الناس والبلد لأن شمس بدران كان رجل محدود القدرات، ضعيف الوعى، له خبرات لديه، فضلاً عن أنه كان مسئولاً عن الحربية وقت وقوع الكارثة.
والأدهى من ذلك أن الحكاية تؤكد بوضوح أن عبدالناصر لم يكن يعبأ بالدستور الذى تنص المادة 110 منه على تولى نائب رئيس الجمهورية الأول المسئولية حال خلو منصب الرئيس بالوفاة أو العجز أو الاستقالة. ولاشك فى أن شمس بدران لم يكن نائباً للرئيس وقتها حتى يسمح له الدستور بتولى الرئاسة.
ويقدم الأستاذ هيكل فى حكايته الغريبة ما يفيد أنه هو الذى أقنع عبدالناصر بتكليف زكريا محيى الدين بدلاً من شمس بدران بتولى المسئولية، ليس استناداً إلى المادة 110 من الدستور حيث كان زكريا النائب الأول للرئيس وقتها، وإنما لأن زكريا شخص قوى ومخلص ومنفتح على الأمريكيين ويمكن أن يصل إلى تسوية جيدة تحقق مصالح مصر.
ولاشك أن الأستاذ هيكل هو الوحيد الذى انفرد بأن عبدالناصر كان جاداً فى استقالته، وأن اختياره لم يكن لزكريا وفقاً للدستور، وإنما كان لشمس بدران المنهزم المذبذب ضعيف الخبرات.
لقد عاش شمس بدران حتى تجاوز التسعين من عمره ولم يرحل إلا عام 2020، فما يترى كان حال مصر لو كانت رواية هيكل صحيحة، ولو تولى بالفعل حكم مصر بعد الهزيمة؟؟
الله أعلم.