كان لنا عيد
لا تزال صور الاحتفال بعيد الأضحى تسكن ذاكرتى فى ساحة «جُرن السبعة»، تلك الأرض الفضاء الشاسعة بيضوية الشكل التى تتوسط قلب قرية العزيزية جنوب الجيزة، والتى كانت تمثل نقطة اتصال بين أربع مناطق هى: الكفر القبلى، والكفر البحرى، والأبعدية القبلية، والأبعدية البحرية.
فى تلك البقعة كانت تُنصب المراجيح، وتُقام ألعاب القوة لفتوات الموالد قديمًا، ويُدوى مدفع المولد، وتجوب عربة الأراجوز الشوارع والطريق الرئيسى للقرية، بينما تصدح فرقة الغوازى، وتلتف حلقات رقص العصا على أنغام المزمار البلدى، كما كانت بعض البائعات يأتين من تجمعات البدو والغجر فى القرى المجاورة يبعن مناديل «بأوية»، وأقمشة موردة ومزركشة بألوان مبهجة، وأتذكر أن أغلب نساء القرية كن يعشقن البنفسجى والأصفر الزاهى من الحرير المورد والمنقوش، إلى جانب أقماع السكر، وحلوى المولد، والمشبك، والملبن المُغمس فى بدرة السكر، وكانت تلك المظاهر جميعها تحضر مع الأعياد والموالد والمناسبات الدينية.
وكان يُقام فى ساحة «جُرن السبعة» سبعة موالد، من بينها مولد الشيخ الدُرر، ومولد السبعة، ومولد الشيخ راضى، ومولد الشيخ الطويل، وكان أشهرها مولد الشيخ الطويل؛ فقد زرته على مدار سنوات طفولتى بصحبة أمى خلال زيارتنا لعائلتها فى الأعياد، وكانت تطوف بنا حول مشهد مغطى بالأقمشة الخضراء المزركشة بكلمات ذهبية، يعلوه غطاء من التول الأبيض، وتفوح منه رائحة زكية لا تزال عالقة بأنفى كلما زرت مشاهد آل بيت رسول الله فى القاهرة.
وكان يعلو المشهد صندوق خشبى عند مقدمة الرأس، نضع فيه الصدقات، إذ كانت أمى تدعونا إلى التصدق من قروش العيدية، فيضع كل منا ربع جنيه أو شلنًا أو بريزة أو ريالًا، كلٌّ بحسب استطاعته، ثم تمسك بأقمشة التول، وتتيمم برائحتها، وتمسح وجوهنا طلبًا للبركة، وطردًا للعين والحسد.
تلاشت تلك العادات منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، ففى آخر عيد أُقيمت فيه الاحتفالات بـ«جُرن السبعة»، فتحت عائلتان النار على بعضهما وسط المراجيح، وسقط قتيل، ومنذ ذلك الوقت منعت الشرطة إقامة أى مناسبات أو موالد فى الجُرن.
ومنذ سنوات قليلة، هُدمت مشاهد الأولياء، التى كان بعضها داخل المساجد، مثل «مشهد سيدى الطويل»، وبعضها الآخر إلى جوار مساجد أو زوايا، وشُيدت مساجد جديدة دون الحفاظ على تلك المشاهد، ففقدت الأجيال الجديدة حق المعرفة بمن سبقوهم، سواء صحت الروايات عنهم أم ظلت مجرد حكايات تناقلها أهل الخير الأوائل.
ومنذ عامين، عاد مشهد المراجيح يتجدد مع حلول الأعياد والمناسبات، ولكن فى بقعة أخرى من قرية العزيزية، إلى جوار «قهوة فتح الله» عند مدخل القرية من ناحية المريوطية، نُصبت المراجيح ولعبة القطار الدوار، وظهرت فرقة تجوب الشوارع وتعزف على المزمار البلدى، فيما انتشرت على مقربة منها فُرشات صغيرة لبيع الحلوى وألعاب العيد للأطفال.
غير أن هذا المشهد تفسده الأغانى الهابطة التى تصرخ عبر مكبرات الصوت، ويتمايل على أنغامها بعض الشبان الجدد وكأن أصابهم مسٌّ من الجنون.
وتختلف العادات والتقاليد المرتبطة بعيد الأضحى فى القرى والمناطق الشعبية عن احتفالات عيد الفطر؛ إذ يحرص الناس فى عيد الفطر على صلاة العيد والزيارات السريعة للأهل والجيران والأصدقاء، بينما ينشغل أغلبهم فى عيد الأضحى بالأضحية وتوزيعها فى أول أيام العيد، فلا يبقى مجال واسع للزيارات العائلية أو تبادل التهانى.
وتخرج العائلات فى تجمعات لتجهيز أماكن ذبح الأضحية خاصة فى قرية ابو صير، سواء تولى رجال العائلة ذلك بأنفسهم أو استعانوا بجزار، وهو أمر يحدث نادرًا؛ لأن أغلبهم يجيدون الذبح والسلخ، وبعد الانتهاء من التوزيع وإعطاء حق الله لمستحقيه، تُعد وليمة من احشاء الأضحية تُوزع على الجيران والأحباب، ثم يدخل الجميع فى حالة من الاسترخاء، قبل أن يبدأوا مساء فى زيارة الأقارب وتبادل التهانى.
وفى بعض العائلات تُذبح الأضحية مع الساعات الأولى من ليلة العيد، ليُطهى الطعام ويُقدم عقب صلاة العيد فى أقرب مسجد، وهناك من لا يقدر على الأضحية، فتُعد النساء «بليلة القمح باللبن»، ويحملها الشباب إلى الساحات والمساجد، يطعمون بها الأطفال والكبار فرحًا بالعيد؛ فالكل ينفق على قدر سعته.
وداخل البيوت، ثمة طقوس خاصة بالنساء، حيث يُعددن إفطار يوم العيد، سواء من الأضحية أو بشراء اللحوم والرقاق، فيُسلق اللحم ويُحمّر، ويُغمر الرقاق فى شوربة اللحم، ثم يُحمّر بالسمن البلدى، ويُرص فى طبقات مع الأرز المحمر، وتُضاف إليه الصلصة وتشكيلة متنوعة من اللحوم.
وفى مناطق أخرى تختلف طقوس الطهى؛ ففى قرية المرازيق، أقصى جنوب الجيزة، يفضل الأهالى تناول الكسكسى بدلًا من الرقاق، ويُقدم اللحم فى الشوربة، بينما يفضل سكان وسط القاهرة الكسكسى مع السكر البودرة، وفى مناطق أخرى تُعد فتة الخبز القمحى المحمص، حيث يُغمر فى شوربة اللحم، ثم تُضاف إليه الصلصة واللحوم المحمرة.
وفى اليومين الثانى والثالث من العيد، يتبادل الناس الزيارات فى أجواء يغمرها الود، وتتخللها الأطعمة الدسمة، وصوانى الرقاق والفتة، وضحكات الأطفال والكبار رغم قسوة الحياة وهمومها.
ومع تراجع الأوضاع الاقتصادية، وعدم قدرة الملايين على أداء شعيرة الأضحية، أصبحت المشاركة فى الأضحية حلًا تلجأ إليه كثير من الأسر داخل البيت الواحد، وبينما يمكن أن تكون الأضحية من الخراف أو الماعز، باتت الأضاحى من الأبقار والجاموس حكرًا على من استطاع إليها سبيلًا، وربما لم يعد العيد كما كان، لكن البسطاء وحدهم ما زالوا يملكون تلك القدرة الغريبة على إنقاذ الفرح حتى وإن جاء ناقصًا.