على ضفاف القناة… حين عاد عرفات في المنام
لم يكن حلمًا عابرًا، ولا مجرد صورة مرت من ذاكرة مثقلة بأخبار الحروب والهزائم والمنفى.
كان المشهد حقيقيًا إلى درجة أنني حين استيقظت بعد فجر يوم وقفة عرفة، ظل صوت البحر في أذني، وبقيت ملامح الرجل العجوز بالكوفية الفلسطينية ماثلة أمامي، كأنه لم يغادر الدنيا أصلًا، وكأن التاريخ قرر أن يفتح بوابة سرية بين الأمس واليوم، بين الموت والذاكرة، بين الحلم والسياسة.
رأيت المشهد كاملًا كما لو أن كاميرات نشرات الثمانينيات عادت إلى العمل من جديد.
قناة السويس هادئة، لكنها ليست صامتة.
الضفاف مزدحمة بوجوه أعرفها ولا أعرفها، وجوه مصرية وعربية خرجت من زمن آخر، تلوح بأيديها نحو قطعة حربية تشق المياه ببطء، متجهة جنوبًا نحو البحر الأحمر.
وفجأة ظهر الرجل.
كان ياسر عرفات واقفًا في أعلى القطعة البحرية، بالكوفية نفسها، والملامح نفسها، وابتسامته التي تجمع بين التعب والعناد.
يرفع يده بعلامة النصر، كما كان يفعل دائمًا، كأنه يتحدى العالم كله، أو يواسي شعبًا كاملًا تعلم أن يعيش على حافة الخسارة دون أن يعترف بالهزيمة.
تذكرت فورًا صور خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بعد اجتياح عام 1982، عقب حصار طويل انتهى بخروج المقاتلين إلى المنافي البعيدة، بعد الاتفاقات الدولية التي أعادت رسم خرائط الدم والمنفى.
كانت السفن يومها تحمل رجالًا خرجوا من بيروت، لكنهم لم يغادروا القضية.
في الحلم، بدا المشهد وكأنه يُعاد من جديد، لكن بصورة أكثر غموضًا.
لم تكن السفينة متجهة إلى تونس هذه المرة، بل نحو جنوب البحر الأحمر، نحو المجهول، نحو مستقبل عربي مرتبك لا يعرف أين يقف.
وقفت على ضفاف القناة أخطب، كأنني في ساحة ثورية قديمة، بينما كان عرفات يسمعني مبتسمًا.
صرخت إليه بصوت عالٍ:
“سننتصر.”
فرد عليّ بصوته المبحوح الذي تعرفه أجيال العرب:
“ولماذا تؤكد أننا سننتصر؟ وما الدليل؟”
كان السؤال أكبر من حلم.
كان سؤال أمة كاملة.
أجبته بلا تردد:
“لأن القرآن أخبرنا بذلك.”
لا أعرف كيف خرجت الجملة بهذه القوة.
لكنني في الحلم كنت أتكلم بثقة المؤمن الذي يرى ما وراء اللحظة الراهنة، ويرى أن التاريخ لا يتحرك دائمًا بمنطق القوة العسكرية وحدها، بل بمنطق الزمن الطويل، والصبر الطويل، والشعوب التي تُهزم مرات لكنها لا تموت.
قلت له أيضًا:
“أنا أكتب في رأي اليوم بلندن مع صديقك الكاتب عبد الباري عطوان.”
ابتسم عرفات أكثر، وكأنه يعرف أن الكلمات أحيانًا تصبح خنادق أخطر من البنادق.
بعد الاستيقاظ، لم يغادرني الحلم.
بل بدأ يفتح أبواب الذاكرة القديمة.
تذكرت صديقي الفلسطيني أحمد أبو الحاج، ذلك الشاب المثقف الجميل الذي استقبلني في برلين عام 1999، ومنحني سكنًا ودفئًا إنسانيًا في مدينة كانت تبدو باردة كالتاريخ الأوروبي نفسه.
كان واحدًا من رجال تلك المرحلة التي تحولت فيها القضية الفلسطينية من ثورة تحمل البندقية إلى جغرافيا منفية موزعة بين العواصم.
أخبرني يومها عن اعتقاله في بستان بجنوب لبنان، وعن سجنه داخل معتقل عتليت الإسرائيلي، وكيف خرج ضمن صفقة تبادل ارتبطت بخروج عرفات من لبنان بعد حصار بيروت.
كان يتحدث عن السجن كمن يتحدث عن محطة قطار، لا عن سنوات من العذاب.
ذلك الجيل لم يكن يرى نفسه أفرادًا، بل امتدادًا لفكرة كبرى اسمها فلسطين.
وفي الحقيقة، ربما لم يكن حلمي عن عرفات وحده.
بل عن جيل كامل خرج من بيروت ولم يعد.
جيل عاش المنافي، وتوزع بين تونس وبرلين ودمشق وصنعاء والجزائر، لكنه ظل يحمل مفتاح البيت القديم في جيبه، حتى وهو يعرف أن البيت ربما صار ركامًا.
الغريب أن الحلم جاء في هذا التوقيت تحديدًا.
في زمن عربي مرتبك، تتداخل فيه الحروب مع مشاريع التطبيع، والانهيارات الاقتصادية مع الخرائط الجديدة للشرق الأوسط، بينما تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تُدفع عمدًا إلى الهامش، رغم أنها ما تزال الجرح المفتوح في وجدان المنطقة.
ربما لهذا عاد عرفات في المنام.
فالرموز السياسية لا تموت بسهولة.
بعض الشخصيات تتحول بعد رحيلها إلى جزء من الوعي الجمعي، إلى أشباح تاريخية تظهر كلما دخلت الأمة منعطفًا خطيرًا.
كان عرفات، بكل ما له وما عليه، يمثل فكرة “الهوية الفلسطينية المقاتلة”، الرجل الذي عاش مطاردًا بين العواصم، يحمل وطنًا كاملًا في حقيبة.
وفي الحلم، لم يكن يسألني عن النصر العسكري فقط، بل عن معنى الأمل نفسه.
كيف يمكن لأمة مثقلة بالهزائم أن تستمر؟
كيف يستطيع الإنسان العربي أن يواصل الدفاع عن قضاياه بينما يرى الخراب يتمدد حوله؟
ربما لأن بعض القضايا لا تُقاس بنتائج اللحظة.
ففلسطين بالنسبة للعرب لم تكن مجرد أرض محتلة، بل اختبارًا أخلاقيًا وتاريخيًا لمعنى العدالة والكرامة والهوية.
ولهذا بقيت حاضرة حتى في الأحلام.
وحين أفكر الآن في ذلك المشهد، أشعر أنني لم أكن أخاطب عرفات وحده على ضفاف القناة، بل كنت أخاطب نفسي أيضًا، وأخاطب جيلًا عربيًا كاملًا يعيش بين الحلم والانكسار.
في النهاية، أدركت أن الكاتب الحقيقي لا يتوقف عن العمل حتى في نومه.
فالسياسة تدخل الأحلام، والتاريخ يتسلل إلى الذاكرة، والوجوه القديمة تعود فجأة من المنافي والمقابر لتسألنا السؤال نفسه:
هل ما زلتم تؤمنون أن النصر ممكن؟
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية.