«نصف درجة» حرمته من الهندسة
إخفاق أممي ثالث.. طموحات "عالم خالٍ من السلاح النووي" تصطدم بالاستقطاب الدولي
يشكل الإخفاق المتكرر لمؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) مؤشرًا مقلقًا على عمق الفجوة الجيوسياسية بين القوى الكبرى، وتحول العقائد العسكرية الدولية نحو "الردع النووي" بدلاً من التجريد التدريجي للسلاح. هذا العجز الأممي المستمر لا يهدد فقط مصداقية المنظومة الدولية لمنع الانتشار، بل يضع منطقة الشرق الأوسط في مهب المخاطر، خاصة مع استمرار بقاء القدرات النووية الإسرائيلية خارج إطار الرقابة الدولية، ومراوحة مقترح "المنطقة الخالية من أسلحة الدمار الشامل" مكانه منذ عام 1995، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني الإقليمي ويدفع نحو سباقات تسلح بديلة.
ومن جانبه ، أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، عن أسفه الشديد لإخفاق مؤتمر المراجعة الحادي عشر لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في التوصل إلى وثيقة ختامية توافقية. وحذر أبو الغيط من أن هذا الإخفاق، الذي يعد الثالث من نوعه على التوالي، يعكس بوضوح غياب الإرادة السياسية لدى عدد من الدول في الوفاء بالتزاماتها بموجب أحكام المعاهدة، لا سيما في الشق المتعلق بنزع السلاح النووي، معتبراً أن هذا الأمر ينعكس سلباً على فعالية النظام الدولي لعدم الإنتشار ويقوض مصداقيته مستقبلاً.
وفي السياق ذاته، أكد المتحدث الرسمي باسم الأمين العام، جمال رشدي، أن عملية المراجعة الكبرى باتت تعاني من حالة استقطاب حادة نتيجة تمسك الدول النووية بدور الأسلحة النووية في عقيدتها الدفاعية. وأشار المتحدث إلى أن تزايد دور التحالفات العسكرية الحالية، في ظل التوجهات الجيوسياسية المتناقضة، يحول دون الوصول إلى عالم خالٍ من التهديد النووي، مما يفرض ضرورة بذل جهود مضاعفة بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الفاعلة لاستعادة مصداقية المعاهدة وحماية العالم من مخاطر اندلاع أي حرب نووية.
وعلى صعيد التحرك الإقليمي، ثمن البيان الجهود الحثيثة التي بذلتها الدول العربية للحفاظ على حقوقها ومكتسباتها، وفي مقدمتها تفعيل قرار عام 1995 القاضي بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وهو القرار الذي يمثل جزءاً لا يتجزأ من صفقة التمديد اللانهائي للمعاهدة. وشددت الجامعة العربية على ضرورة تحقيق عالمية المعاهدة عبر انضمام إسرائيل إليها كدولة غير نووية، وإخضاع كافة منشآتها لنظام الضمانات الشاملة التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع التمسك بالحق العادل للدول في الاستفادة من التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.
أبعاد الأزمة في أرقام وإحصائيات دولية
لتوضيح عمق الأزمة التي أشارت اليها جامعة الدول العربية، تظهر المؤشرات الإحصائية الدولية حجم التحدي الذي يواجه معاهدة الـ NPT، حيث يعود آخر نجاح لمؤتمرات المراجعة في تبني وثيقة ختامية توافقية إلى عام 2010. ومنذ ذلك الحين أخفقت المؤتمرات المتتالية في أعوام 2015 و2022 وصولاً إلى المؤتمر الحالي في عام 2026، مما يعكس جموداً مستمراً في التوافق الدولي لقرابة ستة عشر عاماً.
وتتجسد خطورة هذا الجمود في البيانات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، والتي تشير إلى أن إجمالي الرؤوس النووية في العالم يبلغ حالياً نحو 12,121 رأساً نووياً، تستأثر روسيا والولايات المتحدة بنحو 90% منها. ويتزامن هذا الترسان الهائل مع إنفاق عسكري ضخم، إذ تؤكد تقارير الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) أن الدول التسع التي تمتلك أسلحة نووية تنفق ما يقرب من 91.4 مليار دولار سنوياً لتحديث وتطوير ترساناتها، مما يفسر تمسكها بعقيدتها الدفاعية النووية.
أما على المستوى الإقليمي، فما تزال المعايير المزدوجة تفرض نفسها، حيث تُجمع التقارير والمعاهد الدولية على أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية تُقدر بحوالي 90 رأساً حربياً، وهي الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي لم توقع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وترفض تماماً إخضاع منشآتها الحيوية لرقابة وتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يثبت وجاهة المطالب العربية التي ركز عليها بيان الجامعة.