بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تعرّف على مشاهد من موسم الحج سنة 1814 كما وصفها رحّالة سويسري

بوابة الوفد الإلكترونية

یوهان لودفيك بوركهارت، المعروف باسم جون لويس بوركهارت، رحّالة وجغرافي ومُستشرق سويسري، خرج من القارة الأوروبية، قاصداً القارة الإفريقية بتكليف من الجمعية الافريقية في بريطانيا، للبحث عن مدينة تمبكتو عاصمة امبراطورية مالي الغابرة، ولما يُكتب له النجاح في رحلته إلى افريقيا، ذهب إلى الجزيرة العربية وبلاد الحجاز، ليدوّن لنا مشاهد وصور لما شاهده خلال تجواله هناك.

ومن بين ما دوّنه لنا بوكهارت، مشاهد من موسم الحج سنة 1814 ميلادية، أي قبل أكثر من مائتي عام.

 

بوركهارت عاش وتوفي في القاهرة


بوركهارت الذي عاش وتوفي في القاهرة، راح يروي لنا عبر صفحات كتابه "رحلتي إلى جزيرة العرب"، عن مظاهر الحياة في مكة المكرمة وبلاد الحجاز، ووصول قوافل الحجاج من كل الأرجاء، مروراً بوصول المحمل المصري، وهي المظاهر التي عايشها ورآها بوكهارت بعينيه خلال رحلته للجزيرة والعربية وبلاد الحجاز قبل قرابة 212 سنة.

يقول جون لويس بوركهارت: إنه في سنة 1814 وصل العديد من الحجاج إلى مكة، قبل ثلاثة أو أربعة أشهر من الوقت المحدد لآداء مناسك الحج. 
وأضاف أن البعض جاء مُبكراً لقضاء شهر رمضان في مكة والمدينة المنورة، لما يمثله قضاء شهر الصوم في تلك البقاع من "إغراء" لكل مسلم.
وذكر بأنه رأى في هذا العام قدوم أربعة آلاف حاج على الأقل من تركيا عبر البحر، وأن نصف هذا العدد قدم من مناطق أخرى من العالم، إضافة إلى قوافل الحج المعروفة التي تأتي لبلاد الحجاز عبر طرق معروفة تُسمى بـ "طرق الحج"، مثل قافلة الحج المصرية، وقافلة الحج السورية، والتي كانت تأتي قبل بضعة أيام من بداية مناسك الحج.

وتحدّث بوكهارت عن قافلة الحج المصري، والتي كانت تتميّز بـ "محمل الحج"، واعتبر أن الطرق التي كانت تتبعها قافلة الحج المصرية أكثر خطورة من الطرق التي تسلكها قوافل الحج الأخرىـ بجانب ندرة المياه في طريقها.
وقال بوركهارت إنه في سنة 1814، تألفت القافلة من الجنود فقط ومن الحاشية المرافقة لـ "المحمل المصري" والموظفين العامين، وأن كل الحجاج فضلوا المرور عن طريق السويس، وأنه في سنة 1816، انضم العديد من نبلاء القاهرة انضموا إلى قافلة الحج، وأن أحدهم كان يملك 110 من الجِمال لحمل امتعته وحاشيته وثمانية خيام حملها معه ليقيم بها في بلاد الحجاز.
وتناول جون لويس بوركهارت، في حديثه القافلة المغربية، وقال أن تلك القافلة لم تكن منتظمة لعدة سنوات، وذكر أنه حين تتحرك قافلة الحجاج المغاربة، كانت تنطلق يرافقها أحد الشخصيات التي تنتمي للأسرة الحاكمة في مراكش – آنذاك – لتمر بتونس وطرابلس فينضم لها العديد من حجاج تلك البلاد، حيث تمر من سرت إلى درنة، ثم السواحل المصرية فالقاهرة. 
وقدّر بوركهارت عدد الحجاج المغاربة آنذاك بأنهم كانوا ما بين 6 إلى 8 آلاف حاج.

وأشار الرحّالة السويسري عن وصول قافلة تضم أهل اليمن والفرس والهنود الذين قدموا عبر البحر. وأنه كان لتلك القافلة كما كان للقافلتين المصرية والسورية أماكن خاصة للتخييم قُرب مكة حيث كان هناك خزان مياه كبير أقيم لإمداد تلك القوافل بالمياه.

وبيّن لنا بوركهارت أنه رأى الطرق التي تتبعها القافلة الهندية وقد رسمت على عدة خرائط، وهي تأتي عبر مسقط مروراً بنجد ثم مكة.

ولما كانت مصر ممراً للكثير من الحجاج، فقد كان الحجاج إذا لم يجدوا سفناً تقف في السويس، يتوجهون إلى قنا، ومنها يتجهون إلى القصير حيث تكون مدة الرحلة البحرية من هناك إلى جدة قصيرة. وقدّر ثمن الرحلة البحرية من القصير إلى جدة آنذاك بما بين 6 إلى 8 دولارات.

وحدّثنا بوركهارت كذلك عن قدوم حجاج من بلاد شرق آسيا مع حجاج اليمن والهند وبلاد فارس والبصرة وعُمَان، ووصول حجاج من الساحل ومومباسا، فضلا عن حجاج بلاد الحبشة. وعن وجود حجاج من الدروايش الأتراك، الذين كانوا محل اهتمام من قبل الحجاج ومن قبل سكان مكة وبلاد الحجاز.

وقال إن غالبية الحجاج يُحْضِرون معهم بعض منتجات بلادهم لبيعها والتربح منها ليتمكنوا من توفير نفقات رحلة العودة لأوطانهم بعد الانتهاء من آداء مناسك الحج.

ولفت إلى أن المغاربة كانوا يحضرون العباءات الصوفية، فيما يحضر الأتراك والأوروبيون الأحذية والخردوات والأمتعة المطرّزة والكهرمان والحلي الأوروبية، ويأتي حُجّاج بلاد الأناضول بالسجاد، وهكذا يأتي حجاج كل بلد بمنتجات بلادهم من الأفارقة إلى الأفغان مروراً بمختلف الجنسيات. وأن بعض الجنسيات خاصة من القارة الافريقية، كانوا يفضلون النزول للعمل من أجل توفير نفقات رحلة عودتهم لبلادهم.

وروى بوركهارت كيف كان سكان مكة يؤجرون منازلهم للحجاج باستثناء الطبقات الغنية من المكيين، حيث كانوا يطلبون من الحجاج الذين سيبقون بمكة خلال فترة موسم الحج إيجاراً يساوي إيجار منازلهم لعام كامل.

ومما رواه لنا جون لويس بوركهارت، في كتابه "رحلتي إلى جزيرة العرب"، مشهد مرور موكب القافلة السورية وقد تزينت رؤوس جمالها بالريش والأجراس، وأشار إلى أنه عند مرور جمال القافلة كل الناس من كل الطبقات يصطفون على جوانب الطرقات ويُلقون التحية على القافلة بهتافات عالية.
ويضيف بأنه ما أن يمر السوريون، حتى يلحق بهم الموكب المصري، الذي كان يتألف من "المحمل"، وكيف كانت عظمة هذا المحمل، بجانب أناقة الجنود الذين يرافقون المحمل وقافلة الحج المصرية التي كانت تحظى بتقدير أهل مكة.