التحولات العنيدة !!
لم تعد التحولات الاقتصادية مجرد قرارات إصلاحية عابرة، بل تحوّلت إلى مسار “عنيد”، يمضي في اتجاه واحد، دون أن يلتفت كثيرًا إلى كلفة الطريق على من يسيرون فيه.
في ظاهر هذه التحولات، تبدو الدولة وكأنها تعيد ترتيب أولوياتها، تخفف أعباءها، وتفتح المجال أمام السوق ليقود الحركة.
لكن في باطنها، يحدث شيء أكثر عمقًا: انسحاب تدريجي للدولة من أدوارها التقليدية، وترك المواطن في مواجهة مباشرة مع واقع أكثر قسوة.
لم يعد السؤال: هل هناك إصلاح اقتصادي؟
بل أصبح السؤال الأهم: من يدفع ثمن هذا الإصلاح؟
في نماذج كثيرة، تتخلى الدولة عن دورها في الدعم، أو تقلصه، وتعيد تعريف الخدمات الأساسية باعتبارها “تكلفة” لا “حقًا”.
الصحة لم تعد مظلة آمنة للجميع، والتعليم لم يعد طريقًا مضمونًا للترقي، والسكن لم يعد استقرارًا بقدر ما أصبح عبئًا ممتدًا.
لكن الكارثة الحقيقية لا تظهر فقط في ارتفاع الأسعار،
بل في الانهيار الصامت لقيمة ما يملكه المواطن أصلًا.
فالعملة لم تعد مجرد وسيلة تبادل… بل تحوّلت إلى عبء إضافي.
تفقد قيمتها بوتيرة أسرع من قدرة الناس على التعويض،
حتى أصبح الإحساس العام وكأن صفرًا كاملاً قد انتُزع منها،
لا على الورق… بل في الحياة نفسها.
الجنيه لم يعد يشتري ما كان يشتريه،
ولا حتى نصفه… ولا ربعه أحيانًا.
وكل ما ارتفع الرقم في اليد، تراجعت قيمته في الواقع.
أما التعليم، الذي كان يُفترض أن يكون باب الخروج من الضيق،
فقد أصبح جزءًا من الأزمة نفسها.
تكلفة تتصاعد، دون ضمانة حقيقية لعائد،
ليجد المواطن نفسه يدفع ليُحسّن مستقبله…
ثم يكتشف أن هذا المستقبل نفسه أصبح أكثر كلفة مما يحتمل.
وهنا، لا يعود الأمر مجرد ضغوط معيشية،
بل يتحول إلى إحساس قاسٍ بالاختلال:
جهد يُبذل… وقيمة تتآكل… ومستقبل يُعاد تعريفه كل يوم نحو الأسوأ.
وفي المقابل، يُطلب من المواطن أن يكون أكثر صبرًا، وأكثر تحمّلًا، وأكثر قدرة على التكيّف…
دون أن يُمنح دائمًا ما يساعده على ذلك.
التحولات الاقتصادية، حين تكون “عنيدة”، لا تتراجع بسهولة، ولا تعترف سريعًا بأخطائها،
بل تستمر… حتى لو كان الثمن شعورًا عامًا بأن الناس تُترك وحدها في المواجهة.
المشكلة ليست في الإصلاح ذاته،
لكن حين يتحول إلى معادلة مختلة:
دولة تخفف أعباءها… ومواطن يتحمّل ما تبقى.
ومع الوقت، لا يصبح الخطر اقتصاديًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا.
لأن الشعوب لا تنهكها الأزمات وحدها،
بل يرهقها الإحساس بأنها تُقاتلها وحدها.
الدولة، في جوهرها، ليست مجرد جهاز أو أرقام،
بل هي فكرة الأمان…
وإذا تراجعت هذه الفكرة، حتى لو بقي كل شيء كما هو،
يبدأ التآكل الحقيقي… بصمت.