بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كأس العالم 2026

من لاعب مرفوض إلى ملك الكرة..كيف غيّر مدرب مصير بيليه في كأس العالم 1958

بوابة الوفد الإلكترونية

في صيف عام 1958، لم تكن البرازيل تبحث فقط عن لقب عالمي أول، بل كانت على موعد مع ولادة أسطورة غيّرت تاريخ كرة القدم إلى الأبد.

ففي شوارع السويد الباردة، لمع اسم فتى نحيل لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، سيعرفه العالم لاحقاً باسم “الملك” بيليه، بينما دشّن منتخب “السيليساو” عصراً جديداً من المتعة الكروية والتفوّق التكتيكي.

قبل انطلاق البطولة، أثار إشراك بيليه جدلاً داخل المنتخب البرازيلي فقد أبلغ الطبيب النفسي للمنتخب المدرب فيسنتي فيولا أن اللاعب الشاب “غير ناضج نفسياً” لخوض كأس العالم لكن المدرب رد بثقة قائلاً: “قد تكون محقاً، لكنك لا تفهم شيئاً في كرة القدم” كان ذلك القرار بداية واحدة من أعظم القصص في تاريخ اللعبة.

دخل بيليه البطولة متأثراً بإصابة في الركبة، واكتفى بالمشاركة لأول مرة أمام الاتحاد السوفياتي في دور المجموعات، قبل أن يعلن عن نفسه بهدف الفوز التاريخي أمام ويلز في ربع النهائي بعدها، انفجر إبداعه في نصف النهائي بثلاثية مذهلة ضد فرنسا، ثم أكمل الحكاية في النهائي أمام السويد، مسجلاً هدفين في الانتصار الكبير 5-2، ليقود البرازيل إلى لقبها العالمي الأول.

وأصبح بيليه، بعمر 17 عاماً و249 يوماً، أصغر لاعب يرفع كأس العالم، في إنجاز لا يزال خالداً حتى اليوم كما دخل التاريخ أيضاً بسبب الرقم 10، الذي ارتداه بالمصادفة بعدما نسيت البرازيل إرسال أرقام اللاعبين إلى الاتحاد الدولي، فتم توزيعها عشوائياً ومنذ تلك اللحظة، تحول الرقم 10 إلى رمز للعبقرية والإبداع في كرة القدم.

لكن نجاح البرازيل لم يكن قائماً على الموهبة فقط، بل على ثورة تكتيكية حقيقية فقد اعتمد المدرب فيولا خطة 4-2-4 الهجومية، في وقت كانت معظم المنتخبات تتمسك بالأساليب التقليدية مثل 5-3-2 و3-4-3 هذا الأسلوب منح البرازيل سرعة ومرونة مذهلتين عبر الأطراف، وأربك كل منافسيها.

ولم يكن بيليه النجم الوحيد في تلك النسخة التاريخية فقد سحر جارينشا العالم بمهاراته الاستثنائية رغم معاناته من تشوهات خلقية في الساقين والعمود الفقري الجناح البرازيلي الفقير، الذي شبّه بـ”بيكاسو كرة القدم”، تحدّى الإعاقة بمراوغاته الساحرة، وكان أحد أهم أسباب تتويج البرازيل. حتى قائد السويد نيلس ليدهولم اعترف بعد النهائي قائلاً: “خسرنا بسبب جارينشا، لقد صنع هدفين خارقين”.

أما العقل المدبر لذلك المنتخب، فكان لاعب الوسط ديدي، الذي اعتبره كثيرون أفضل لاعب في البطولة. امتلك ديدي رؤية استثنائية وقدرة مذهلة على صناعة اللعب، كما اشتهر بتنفيذ الركلات الحرة اللولبية المعروفة باسم “الورقة الجافة”، والتي ألهمت لاحقاً نجوماً مثل أندريا بيرلو وكريستيانو

رونالدو وفي المباراة الحاسمة أمام الاتحاد السوفياتي، قاد ديدي المنتخب البرازيلي بهدوء القائد وثقة البطل، قبل أن يطمئن زملاءه في النهائي بعد هدف سويدي مبكر قائلاً: “اهدأوا… نحن أفضل منهم، وسنسجل الكثير من الأهداف” وبالفعل، انتهت المباراة بخماسية تاريخية أمام نحو 50 ألف متفرج في ستوكهولم.

وشهد مونديال 1958 تحولات كبرى في عالم كرة القدم فقد بدأت أوروبا تعيش ثورة كروية مع انطلاق الكأس الأوروبية للأندية، التي أصبحت لاحقاً دوري أبطال أوروبا، كما تطور البث التلفزيوني ليصل بالمونديال إلى جمهور عالمي للمرة الأولى تقريباً.

أقيمت البطولة في السويد بمشاركة 16 منتخباً، بينها الاتحاد السوفياتي الذي ظهر للمرة الأولى، بينما شهدت التصفيات مقاطعة عربية واسعة لمواجهة إسرائيل، وفشل منتخبات عريقة مثل إيطاليا والأوروجواي في التأهل كما عاشت إنجلترا أجواء حزينة بعد كارثة ميونيخ الجوية التي أودت بحياة عدد من لاعبي مانشستر يونايتد قبل أشهر قليلة من البطولة.

وفي المقابل، وصلت المجر إلى البطولة وهي تعيش انهياراً كبيراً بعد الغزو السوفياتي وهروب معظم نجومها، لتنتهي حقبة “المنتخب الذهبي” الذي أرعب العالم في الخمسينيات.

لكن، رغم كل القصص والأحداث، بقيت صورة بيليه الطفل وهو يبكي فرحاً بين أحضان زملائه بعد النهائي، هي المشهد الأبقى في ذاكرة مونديال 1958… البطولة التي لم تمنح البرازيل لقبها الأول فقط، بل قدّمت للعالم ملك كرة القدم.