بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

المواطن المصري بين الصمت والغضب

 

مضطر أن أكتب مرة أخرى عن معاناة المواطن المصري، الذي بات يمسك الجمر بين يديه خلال واحدة من أصعب الفترات التي يعيشها المجتمع المصري.

إن أخطر ما تصنعه الضغوط المستمرة أنها لا تُرهق الجسد فقط، بل تُغيّر طباع الناس، وتدفع المجتمع تدريجيًا إلى حالة من الصمت والغضب في آنٍ واحد.

ففي الشارع، وداخل البيوت، وفي أماكن العمل، أصبح واضحًا أن الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية لم تعد مجرد أعباء عابرة، بل تحولت إلى حالة يومية تستنزف الإنسان من الداخل، وتدفع البعض إلى فقدان القدرة على التحمّل، أو حتى فقدان التوازن النفسي.

وأخشى أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع بعض المواطنين إلى القفز نحو المجهول، خاصة حين يصل الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها باليأس وفقدان الأمل، بعدما أصبحت الأعباء أكبر من قدرة كثيرين على الاحتمال.

فالمواطن اليوم لا يبحث عن رفاهية، بقدر ما يبحث عن قدر من الطمأنينة والاستقرار النفسي والمعيشي، بعدما أصبحت الضغوط المتلاحقة تسرق من الناس أعمارهم وقدرتهم على التحمّل، وتدفعهم إلى حالة من الإرهاق الصامت الذي بات يسيطر على تفاصيل الحياة اليومية.

كما أصبح الشباب المصري واحدًا من أكثر الفئات التي تعاني من غياب الشعور بالاستقرار، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة توفير متطلبات الحياة الأساسية، الأمر الذي خلق حالة واسعة من القلق والخوف من المستقبل.

ولم تعد أحلام الشباب في الزواج وتكوين أسرة مستقرة تسير بالبساطة التي كانت عليها في السابق، بعدما تحولت تكلفة تأسيس بيت جديد إلى عبء يفوق قدرة الكثيرين، حتى بات بعض الشباب ينظر إلى الزواج ليس باعتباره خطوة طبيعية في الحياة، بل معركة تحتاج إلى إمكانيات أصبحت بعيدة المنال.

ولم تتوقف معاناة بعض الشباب عند حدود القلق من المستقبل أو صعوبة الاستقرار، بل دفعت الضغوط الاقتصادية واليأس بعضهم إلى البحث عن الخلاص خارج البلاد، حتى ولو كان الثمن المجازفة بالحياة نفسها عبر طرق الهجرة غير الشرعية.
فهناك من يغامر بروحه أملًا في فرصة رزق ببلاد أخرى، قد تنجح المحاولة للبعض، بينما تنتهي حياة آخرين في عرض البحر، بعدما يتحولون إلى ضحايا للمجهول، أو إلى أجساد أنهكها الجوع والعطش داخل قوارب الموت، كما كشفت الحوادث المؤلمة الأخيرة على سواحل مطروح، بعد العثور على جثامين عدد من الشباب في حالة تحلل إثر غرق مركب للهجرة غير الشرعية قبالة سواحل سيدي براني.

الأكثر ألمًا أن يصبح البحر بالنسبة لبعض الشباب أهون من قسوة الواقع، وأن تتحول المجازفة بالأرواح إلى محاولة أخيرة للهروب من ضغوط الحياة، فذلك جرس إنذار يجب التوقف أمامه طويلًا، والعمل بجدية على إيجاد حلول حقيقية لهذا الواقع المؤلم.

إن أخطر ما قد يواجهه أي مجتمع، ليس الفقر وحده، بل أن يشعر الناس تدريجيًا أن أحلامهم الطبيعية أصبحت أكبر من قدرتهم على الوصول إليها، فتتحطم مع الأيام ويصبح المستقبل غامضًا.

ورغم كل ما يعانيه المصريون من آلام، إلا أنهم ما زالوا يؤمنون بأن هذه المعاناه مهما اشتدت لابد لها من نهاية، وأن المواطن البسيط يستحق حياة أكثر استقرارًا ورحمة، بعيدًا عن هذا الثقل الذي بات يحمله فوق كتفيه كل يوم، حتى لا ينخلع كتفه وينحني ظهره من قسوة ما يواجهه من أعباء وضغوط لا تنتهي.

 

المواطن المصري بين الألم والأمل