بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

زلزال قانون الأحوال الشخصية

​خلف الأبواب المغلقة للمحاكم هناك حرب طاحنة تدور رحاها كل يوم ضحاياها دماء تُسفك نفسياً وأطفال يُعرضون في سوق النكاية  بين الآباء والأمهات وقوانين بالية تحولت إلى سكاكين حادة تمزق أشلاء المجتمع. وفي وسط هذا الرماد  يرتفع الصراخ كيف نكتب قانوناً للأحوال الشخصية ينتمي للمستقبل، دون أن يقع أسيراً لـ فيتو المؤسسات الدينية التقليدية  أو يقع فريسة في شباك الأجندات المموّلة لبعض جمعيات المرأة التي تصدر ضجيجاً لا يشبه واقعنا؟

​لقد تحول ملف الأحوال الشخصية إلى حلبة صراع سياسي وأيديولوجي تيار متمسك بنصوص فقهية وضعت لزمن غير زماننا ويعتبر أي تجديد كفراً  وتيار نسوي راديكالي يرفع شعارات مستوردة تؤدي في النهاية إلى تفخيخ مؤسسة الزواج وتنفير الشباب منها. والنتيجة؟ مجتمع ينزف وقوانين عاجزة عن تحقيق العدالة.

​إن الرهان على إرضاء أطراف النزاع التقليدية هو رهان خاسر. فالقانون الذي يريده الشارع اليوم ليس قانوناً يُصاغ لإرضاء الرجل أو الصالونات النسوية العاجية، بل قانون يحمي الإنسان. ان الطريقة لكسر هذا الاحتكار تبدأ من إدراك حقيقة واحدة  المقاصد الشرعية تدور مع مصلحة البشر الرجل و المرأة حيث دارت.

​حين غابت المودة والرحمة، وتحولت البيوت إلى ساحات انتقام، بات من الضروري صياغة تشريع يمتلك الشجاعة ليتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، ويقف على أرض صلبة تجمع بين جلال النص و واقعية العصر

​لإنتاج قانون ثوري، متوازن، ويرضي الله ورسوله والشعب لا بد من تبني آليات غير تقليدية تقطع مع الماضي

​الآلية الأولى هنا هي تشكيل مجلس حكماء وطني مستقل، يُقصى منه دعاة التطرف من الجانبين. يضم هذا المجلس قضاة ممارسين، خبراء علم اجتماع جنائي، وأطباء نفسيين، إلى جانب فقهاء مستنيرين. هؤلاء يدرسون الأثر الاجتماعي للبند القانوني قبل صياغته  فالقانون يُوضع لحل أزمة الغد  لا للاحتفاء بالتاريخ.

​اما الالية الثانية فهي  فقه المقاصد لإن الدين الذي جاء ليضع حداً للظلم لا يمكن أن يبارك سحل أُم في المحاكم لسنوات من أجل نفقة لا تكفي ثمن الخبز، أو حرمان أب من رؤية طفله بقرارات كيدية. الآلية هي  هنا ترجمة إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان إلى نصوص قاطعة، تسحب سلطة التقدير المزاجية، وتفرض عقوبات جنائية رادعة على المتلاعبين بحقوق الأطفال.

​الالية الثالثة هي الاستفتاء الرقمي الشامل صوت البيوت لا صوت  النخب  فيجب انتزاع الحق في الكلام من الجمعيات الاحتكارية والصوت العالي عبر إطلاق منصات حوار رقمية ملزمة تستمع لشهادات المتضررين الحقيقيين في القرى والمدن. دعوا المتألمين يكتبون قانونهم وسيكون أكثر عدلاً من كل مسودات الغرف المغلقة.

​و رابع تلك الاليات هي  حسم القضايا الإجرائية كالولاية التعليمية وسرعة الطلاق  وتوثيق الطلاق الشفهي كمسائل مدنية تنظيمية لا علاقة لها بالهوية العقائدية  مما يقطع الطريق على أي ابتزاز عاطفي باسم الدين أو الحقوق الدولية.

​ إن الله لا يرضى ببيوت تتهدم والرسول لم يوصِ بترك الأطفال وقوداً لمعارك الحضانة. القانون المتوافق مع زماننا هو الذي يملك الجرأة ليقول لجمعيات الصخب  ان أسرنا ليست حقل تجارب لنظرياتكم.

​لقد حان الوقت لانتشال قانون الأحوال الشخصية من مستنقع المزايدات وصياغة عقد اجتماعي جديد يعيد للأسرة هيبتها وللقضاء سرعته وللإنسان كرامته المهدرة.