هل هو ثـرثـرة..؟!!
كثيرون ممن نلتقيهم في دروب الحياة لا يرون في الشعر شيئا ذا قيمة تعود بالنفع على الشاعر نفسه أو من حوله..!! ويتساءلون باستخفاف...ما دور الشعر فيما يحيط بنا من مشكلات يومية أو قضايا جماعية..؟!!أو بلغة أبسط ماذا يقدم لنا الشعر من حلول تساهم فى زوال شكاوى أفراد المجتمع أو ليكن السؤال بطريقة معكوسة.. ماذا يضير المجتمع .. بل ماذا يضير البشرية إن خرج الشعر والشعراء من الحياة الى غير رجعة..؟!!
ولعل البعض تستهويه مثل تلك التساؤلات زاعما ـ بقصد او غير قصد ـ أن الشعر لا يزيد عن كونه وسيلةً لقضاء وقت الفراغ أو حلقات السمر؛ مثلما كان أهل الخيام من أجدادنا يتحلقون حول النار ليلا يتذاكرون تجاربهم المشوقة وذكرياتهم اللصيقة بجدران أرواحهم، ولا مانع من أن تتخلل أسمارهم بعض ما يروحون به عن أنفسهم من الغناء أياً ما كانوا يتغنون به سواء كان تغزُّلاً في محبوباتهم أو شكوى الفراق أو ما ارتجزوه في منازلة الأعادي..أليس ذلك ما يدور في أدمغة الكثيرين الآن..؟!!
الحق يقال إن خروج الشعر من حياتنا هو فقدان أعمق وسائل التواصل القادرة على التعبير عن أسمى عواطفنا ومشاعرنا الإنسانية؛ فهو البوابة الوحيدة التى نستطيع من خلالها البوح بأعقد المشاعر التي لا تستوعبها اللغة اليومية..عندها نستطيع تجاوز اليومي من مفرداتنا ومشاعرنا والانطلاق إلى سماوات الخيال؛ فتنفتح أمام الأرواح مناطقُ لم تكن تملك صكَّ عبورها لولا الشعر ، ولا أريد أن أحصي خسائرَنا من خروج الشعر من حياتنا مثل: انتشار التصحُّر والجفاف العاطفي، أو تآكل اللغة بغياب من يمكنه حراسة بلاغتها وفرادتها ليقتصر الإنسان على قدر بسيط من المفردات اليومية المحدودة العاجزة عن استيعاب حاجاته في التعبير الكامل عن مكنونات نفسه آلاما وآمالا والبوح بما يعتمل في دهاليز روحه.لكن...من أهم خسائرنا اذا خرج الشعر إلى غير رجعة من حياتنا هو فقدان أعظم أدوات التأثير في من حولنا مما يؤدي إلى انهيار روح المقاومة ولنتأمل:
(سَأَحمِلُ روحي عَلى راحَتي/وَأَلقي بِها في مَهاوي الرَّدى)(فَإِمّا حَياةٌ تَسُرُّ الصَديقَ/وَإِمّا مَماتٌ يَغيظُ العِدى)(وَنَفسُ الشَريفِ لَها غايَتانِ/وُرودُ المَنايا وَنَيلُ المُنى)(وَما العَيشُ ـ لا عِشتَ ـ إِن لَم أَكُن/مخَوفَ الجِنابِ حَرامَ الحِمى)(إِذا قُلتُ أَصغى لي العالَمونَ/وَدَوّى مَقالي بَينَ الوَرى)(لَعَمرُكَ إِنّي أَرى مَصرَعي/وَلكِن أَغذُّ إِلَيهِ الخُطى)(أَرى مَقتَلي دونَ حَقّي السَليب/ وَدونَ بِلادي هُوَ المُبتَغى)
هذا ماخطَّت يد الشاعر الفلسطيني الشهيد "عبد الرحيم محمود" المولود بالقرب من "طولكرم"والذي استشهد في معركة "الشجرة" عام1948 دفاعا عن الأرض والعرض ... إنها حروف سطرتها الروح بمداد من الدم الطاهر المعطر بمسك الشهادة لتؤكد من خلال لغة غاية في الروعة والبساطة والعمق أن أبناء الوطن لا يتخاذلون عند الدفاع عن أرضهم وأنهم مشاريع شهداء ..ولعل في حياة الشاعر نفسه ما يقدم القدوة الحسنة ؛ إذ لم تدم حياته لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً ضارباً أصدق أمثلة التضحية والفداء..
وبنظرة لا تحتاج جهدا سنجد أن شعر المقاومة في العصر الحديث لم يقتصر في خطابه على أبناء الوطن الباحث عن حريته والمدافع عن استقلاله بل تعدى حدود وتضاربس أرضه وخاطب الإنسان الحر، أيا كان لونه، وعرقه، وقوميته، ولغته، وبلاده، ولم يكن ذلك نتاجا حماسيا عاطفيا فقط بل استخدم من وسائطه المؤثرة مثل المجاز واللغة وجماليات أدواته وخاطب مواكب الأحرار ، لتصبح قصائده الصادقة أهم دوافع حركات التحرر وبطولات المقاومين في مواجهة الغزاة المحتلين رغم اختلاف الأقطار والبلدان إلا أن الهم الإنساني يزيل التضاريس ويذيب المسافات...!!ولنضرب مثالا:هناك الكثير من الشعراء العرب الذين رثوا "تشي غيفارا"ومنهم الشاعر العراقي "عبد الوهاب البياتي" في قصيدة سماها:
''عن موت طائر البحر مهداة إلى "إرنستو تشي جيفارا"
(في زمن المنشورات السرية...في مدن الثورات المغدورة...جيفارا العاشق في صفحات الكتب المشبوهة...يثوي مغموراً بالثلج و بالأزهار الورقية..قالت و ارتشفت فنجان القهوة في نهم:سقط الفنجان لقاع البئر المهجور..رأيت نوارس بحر الروم تعود..لترحل نحو مدار السرطان..ونحو الأنهار الأبعد..في أعمدة الصحف الصفراء..يبيع الجزارون لحوم الشعراء المنفيين...العّرافة قالت هذا زمن سقطت فيه الكتب المشبوهة...والفلسفة الجوفاء..دكاكين الوراقين طيورٌ ميِّتةٌ..فتعالي نمارس موت طيور البحر الأخرى..!!)
فإذا تساءلت عن "إرنستو تشي جيفارا" ستعرف أنه أرجنتيني كان طالباً في كلية الطب سافر إلى جميع أنحاء أمريكا اللاتينية على متن دراجة نارية وهو في السنة الأخيرة من الكلية، وكونت تلك الرحلة شخصيته وإحساسه بوحدة أمريكا الجنوبية وبالظلم الكبير الواقع من المستعمر على المزارع اللاتيني البسيط، وتغير داخلياً بعد مشاهدة الفقر المتوطن هناك ؛ لينضم بعدها إلى كاسترو زعيم الثورة الكوبية وكانت علاقته بالثورة المصرية خاصة يقول جيفارا للزعيم عبد الناصر:إ"نه عندما كان "كاسترو" يجابه المصاعب والنكسات، وهو يقود حرب العصابات فى قمم التلال الكوبية فى سنة 1956، كان يستمد كثيرا من الشجاعة من الطريقة التى صمدت بها "مصر" أمام العدوان الثلاثى، وقال إن عبدالناصر كان مصدر قوة روحية وأدبية لرجاله ، كانت القاهرة كعبة الثوار وكل أفراد الشعب يهمهم الشأن الوطني ثقافتهم متنوعة، ووطنيتهم تجعلهم مهمومين بكل مظلوم أيا كان وطنه يناصرونه ويوفرون له ما يعينه من أدوات الدعم يستوي في ذلك الخاصة والعوام وشأن "جيفارا" شأن كل ثائرٍ يُقبض عليه ويُعدم لتثور العاطفة الشعبية ويكتب "أحمد فؤاد نجم" ويغني "الشيخ إمام" لتدرك أيها القارئ الكريم أن الشعر إذا لم يؤد دوره المأمول فليس ذلك قصوراً في الشعر وعجزا كامنا في قدراته بل ذلك راجع في الأساس إلى تقصير الشعراء الذين انكفأوا على ذواتهم بشكل مرضي لايستطيعون الخروج من قوقعتهم عاجزين أن يكونوا ألسنة معبرة عن تطلعات شعوبهم... ختاماً متمرداً مثل أحمد فؤاد نجم وقصيدته:
(جيفارا مات..آخر خبر في الراديوهات..وفى الكنايس والجوامع..وفي الحواري والشوارع..وع القهاوي وع البارات..جيفارا مات..واتمد حبل الدردشة والتعليقات..مات المناضل المثال..يا ميت خسارة على الرجال..مات الجدع فوق مدفعه جوة الغابات..جسد نضاله بمصرعه ومن سكات..لا طبالين يفرقعوا ولا إعلانات..ما رأيكم دام عزكم..يا أنتيكات..يا غرقانين في المأكولات والملبوسات..يا دافيانين..ومولعين الدفايات .. يا محفلطين يا ملمعين يا بتوع نضال آخر زمن في العوامات..ما رأيكم دام عزكم...جيفارا مات..لا طنطنة ولا شنشنة..ولا إعلامات واستعلامات...!!)