ﺣﺮب ﺗﺠﺎرﻳﺔ ﺑﻮﻗﻮد أمريكى
أوروﺑﺎ ﺗﺸﺪد رﻗﺎﺑﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﺮﻛﺎت اﻟﺼﻴﻨﻴﺔ
فى مؤشر يوضح مدى اتساع فجوة الثقة الاقتصادية بين الصين والاتحاد الأوروبى، دخلت العلاقات التجارية بين الجانبين مرحلة أكثر حساسية مع تصاعد الخلافات حول آليات الرقابة والدعم الحكومى، بعدما وجهت بكين انتقادات حادة للتحقيقات الأوروبية المتعلقة بالشركات الصينية العاملة داخل السوق الأوروبية، محذرة من اتخاذ «الخطوات الضرورية» لحماية مصالحها الاقتصادية وحقوق شركاتها.
وتخشى أوروبا من ان تواجه خلال السنوات المقبلة تحديا مزدوجا يتمثل فى الحفاظ على استقلالها الاقتصادى من جهة، والتكيف مع نظام عالمى يتجه نحو الاستقطاب بين واشنطن وبكين من جهة أخرى. فالقمة الأمريكية الصينية لم تكن مجرد حدث دبلوماسى عابر، بل قد تؤسس لمرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ الاقتصادى والتكنولوجى عالميًا.
وجاء الموقف الصينى عقب تزايد اعتماد الاتحاد الأوروبى على «لائحة الدعم الأجنبي»، وهى أداة تنظيمية تهدف إلى فحص ما تعتبره بروكسل دعماً حكومياً غير عادل تتلقاه شركات أجنبية تعمل داخل السوق الأوروبية، وترى المؤسسات الأوروبية أن هذه الآلية ضرورية لضمان المنافسة العادلة ومنع الشركات المدعومة حكومياً من الحصول على امتيازات تؤثر على السوق الموحدة، ولكن اعتبرت وزارة التجارة الصينية أن الاتحاد الأوروبى «وسع نطاق وتسارع تحقيقاته» ضد الشركات الصينية، مشيرة إلى أن بعض القضايا استهدفت شركات تعمل فى قطاعات حساسة، من بينها شركة متخصصة فى معدات الأمن والتفتيش، والتى واجهت تدقيقاً أوروبياً متزايداً خلال الأشهر الماضية.
وصرحت الوزارة فى بيان رسمى، بأن السلطات الأوروبية تطلب من البنوك الصينية التعاون وتقديم «بيانات شاملة لا ترتبط مباشرة بطبيعة التحقيقات»، معتبرة أن هذه الإجراءات تؤثر على سير الأعمال الطبيعى للشركات الصينية العاملة داخل أوروبا وتزيد من الضغوط التشغيلية عليها.
ويأتى هذا التصعيد بعد يومين فقط من تصريحات صدرت عن وزارة العدل الصينية، وصفت فيها بعض التحقيقات الأوروبية العابرة للحدود بأنها تمثل «ولاية قضائية غير ملائمة خارج الحدود الإقليمية»، فى إشارة إلى اعتراض بكين على ما تعتبره توسعاً أوروبياً فى استخدام أدوات قانونية وتنظيمية ذات طابع سياسى وتجارى فى آن واحد.
وترى الصين أن لائحة الدعم الأجنبى الأوروبية تحولت من أداة تنظيمية إلى وسيلة للضغط الاقتصادى، خاصة مع اتساع التحقيقات لتشمل قطاعات التكنولوجيا والطاقة والأمن والبنية التحتية، وكانت بكين قد أعلنت فى يناير الماضى أن الممارسات المرتبطة بهذه اللائحة تشكل «حواجز تجارية واستثمارية»، مؤكدة حينها أنها دعت إلى الحوار مع بروكسل لمعالجة الخلافات، إلا أن الاتحاد الأوروبى واصل نهجه الرقابي.
فى المقابل، يدافع الاتحاد الأوروبى عن إجراءاته باعتبارها جزءاً من سياسة تهدف إلى حماية السوق الأوروبية من التشوهات التنافسية الناتجة عن الدعم الحكومى الأجنبى، خصوصاً فى ظل تنامى الحضور الاقتصادى الصينى داخل القارة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.
ويعكس هذا السجال تصاعد التنافس بين الجانبين فى مرحلة تشهد إعادة تشكيل لسلاسل التوريد العالمية وتشديداً أوروبياً متزايداً تجاه الاستثمارات الأجنبية فى القطاعات الحيوية، كما يأتى فى وقت تسعى فيه أوروبا إلى تقليل اعتمادها الاستراتيجى على الصين فى مجالات التكنولوجيا والطاقة والصناعات الحساسة، دون الوصول إلى قطيعة اقتصادية كاملة مع ثانى أكبر اقتصاد فى العالم.
لذا حذرت وزارة التجارة الصينية من أن استمرار الاتحاد الأوروبى فى هذا المسار قد يدفع بكين إلى اتخاذ إجراءات مضادة لحماية «المصالح الوطنية والحقوق الشرعية للشركات الصينية»، فى إشارة تعكس احتمال انتقال الخلاف من الإطار القانونى والتجارى إلى مرحلة أوسع من الردود المتبادلة.
وأخيراً تكشف الأزمة الحالية عن تحول أعمق فى طبيعة العلاقات الصينية الأوروبية؛ فبعد سنوات من الشراكة الاقتصادية الواسعة، باتت الاعتبارات الأمنية والتنافس الصناعى والتوازنات الجيوسياسية تلعب دوراً متزايداً فى صياغة سياسات التجارة والاستثمار بين الطرفين، ما ينذر بمزيد من التوتر فى الملفات الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.