"جمرات المكان".. نوستالجيا أدبية تنقذ المكان من الاندثار
يقدم الكاتب والناقد العراقي نصير الشيخ في كتابه الصادر حديثًا عن دار توليب للطباعة والنشر بعنوان "جمرات المكان: نصوص سيرية"، إضافة نوعية إلى أدب السيرة والمكان في المشهد الثقافي العراقي، عبر تجربة كتابية تمزج بين البوح الشخصي والتوثيق الثقافي، وتعيد إلى المكان دوره بوصفه وعاءً للذاكرة ومخزنًا للوجدان الجمعي.

يقع الكتاب في 124 صفحة من القطع المتوسط، ويضم مجموعة من النصوص السيرية التي تستند إلى استعادة الأمكنة بوصفها شواهد حية على التحولات الاجتماعية والثقافية، حيث يتخذ المؤلف من المكان نقطة انطلاق لاستحضار الوجوه والأحداث والتفاصيل التي أسهمت في تشكيل وعيه الأدبي والإنساني.
كيان وجودي وتاريخي مشبع بالدلالات والرموز
في هذا العمل، لا يتعامل نصير الشيخ مع المكان باعتباره إطارًا هندسيًا أو جغرافيًا جامدًا، بل بوصفه كيانًا وجوديًا وتاريخيًا مشبعًا بالدلالات والرموز. فالمكان، في رؤيته، رسالة مشفرة تستدعي الذاكرة وتوقظ الوعي، وتتحول فيه الأزقة والشوارع والدكاكين إلى آثار حية تتوالد منها الأفكار والتصورات. إنه فضاء يتجاوز حدود الجغرافيا الصامتة ليصبح بثًا وجوديًا يحتفظ بالحكايات والأصوات والروائح والوجوه.
ويبرز الكتاب أثر الأمكنة في تشكيل الوعي، من خلال قدرتها على ترك بصمة راسخة في الذاكرة، تستنهض الشعور وتوقظ اللاوعي عبر تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تختزن تاريخًا كاملًا من التجارب الإنسانية.
ومن أبرز النصوص التي يتوقف عندها المؤلف حديثه عن شارع المعارف، المعروف اليوم باسم شارع التربية، في العمارة، والذي يصوره بوصفه القلب الثقافي النابض للمدينة ورئتها الحضارية التي عكست تنوعها الاجتماعي والفكري. كما يحتفي بالمكتبة العصرية، تلك المؤسسة الثقافية التي تأسست فرعًا للمكتبة العصرية في بغداد، والتي يعود تأسيسها الأصلي إلى عام 1914، واصفًا إياها بأنها "لقية مهمة في الوجدان الشعبي"، إذ شكلت مقصدًا دائمًا للمثقفين والأدباء بما وفرته من إصدارات عربية وعالمية.
ويتميز الكتاب بقدرته على دمج السيرة الذاتية بالمكان، إذ يستعيد المؤلف ذكريات طفولته في سبعينيات القرن الماضي، حين كان والده يرسله لشراء الصحف من المكتبة العصرية، وهي تجربة مبكرة أسهمت في تكوين حسه القرائي وتشكيل وعيه الأدبي.
كما يوثق الكتاب أسماء مكتبات ومجلات وشخصيات ثقافية أسهمت في تشكيل المشهد العراقي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، من بينها مجلات الأقلام ومجلتي والمزمار والراصد، بما يمنح النص بعدًا توثيقيًا يثري قيمته الأدبية والتاريخية.
وينتمي "جمرات المكان" إلى النثر الأدبي، بلغة وصفية كثيفة وشفافة "تبوح بخيط الأسرار"، وتجمع بين الحس السيري والسرد الفني الرفيع. وقد نجح نصير الشيخ في استعادة ملامح مرحلة ثقافية كان من الممكن أن تتوارى من الذاكرة، مقدّمًا صورة وجدانية دقيقة لهوية المدينة وجمالياتها، بما في ذلك تفاصيل الحياة اليومية وتنوع الأزياء ومواكبة الموضة في تلك الفترة.
وباختصار، يمثل الكتاب رحلة نوستالجية عميقة تسعى إلى إنقاذ المكان من الاندثار عبر الكتابة، وتحويل الجغرافيا إلى تاريخ حي ينطق بالأحداث والوجوه والذكريات.
ويأتي "جمرات المكان" في النهاية بوصفه دعوة مفتوحة للقارئ إلى إعادة اكتشاف مدنه بعين الذاكرة، والتأمل في التحولات التي طرأت على الهوية الثقافية للأمكنة، وكيف يمكن للأدب أن يعيد إليها حضورها الإنساني المتجدد.
