بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تعيشى يا بلدى

تخاريف «العوضى»!

أثار الرحيل المفاجئ للطبيب ضياء العوضى، المشطوب من نقابة الأطباء، حالة واسعة من الجدل، خاصة فى ظل استمرار الاهتمام بما كان يطرحه من أفكار تحت مسمى «نظام الطيبات». ورغم تأكيدات السلطات الإماراتية أن الوفاة جاءت نتيجة أزمة قلبية طبيعية، فإن حالة الجدل لم تنتهِ، بل ربما ازدادت، لتُغلق صفحة مثيرة بدأت من مدرجات كلية الطب، وانتهت بقرارات رسمية بشطب اسمه من سجلات المهنة.
فريق كبير من الأطباء والمتخصصين أجمعوا على أن أفكار العوضى تفتقر إلى أى أساس علمى، بل اعتبروا أنها أسهمت فى الإضرار بحياة بعض المرضى الذين اتبعوا نصائحه. ووصل الأمر إلى وصف ما كان يروج له بأنه «خرف علمى» لا يمت للطب بصلة، بل يحمل خطورة حقيقية على الصحة العامة.
فى المقابل، ظهرت أصوات متعاطفة، رأت فيه بديلاً منخفض التكلفة فى ظل ارتفاع أسعار العلاج، وهو ما يعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة المرضى على تحمل نفقات الرعاية الصحية، ويدفع البعض للبحث عن حلول سهلة وسريعة، حتى إن كانت غير آمنة.
لكن الحقيقة التى لا يمكن تجاهلها، أن ما طرحه العوضى، تحت لافتة «الطيبات»، لا يخرج عن كونه استغلالاً لمعاناة المرضى، واللعب على أوتار الأمل واليأس معاً. فقد استند إلى خلفية علمية حقيقية — تخرّجه فى كلية الطب بجامعة عين شمس بتفوق، وعمله فى تخصص التخدير والرعاية المركزة — ليُضفى مصداقية زائفة على أفكار تفتقر إلى أبسط قواعد البحث العلمى والتجارب السريرية.
ومن أخطر ما روج له، الدعوة إلى ما أسماه «مرحلة صفر دواء»، بل وصل الأمر إلى مطالبة مرضى السكرى بالتوقف عن استخدام الإنسولين، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للحياة. ولم يكن غريباً، فى ضوء ذلك، أن تتخذ نقابة الأطباء قراراً بشطبه، وأن تقوم وزارة الصحة بإغلاق منشأته الطبية وإلغاء ترخيصه، بعد ثبوت نشره معلومات علاجية مضللة وتلقى شكاوى من مرضى تدهورت حالتهم الصحية نتيجة اتباع نصائحه.
اللافت أن انتشار هذه الأفكار لم يتوقف، بل تصاعد عبر مواقع التواصل الاجتماعى، خاصة بعد وفاته، ما يكشف عن خلل حقيقى فى الوعى الصحى لدى قطاع من المواطنين، واستمرار قابلية البعض لتصديق «الوصفات السحرية» بعيداً عن العلم.
وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا يقع بعض المرضى فريسة لمثل هذه الأفكار؟ الإجابة ترتبط بعوامل متعددة، فى مقدمتها ضعف الثقافة الصحية، وارتفاع تكلفة العلاج، والبحث عن حلول سريعة، إلى جانب غياب الرقابة الكافية على المحتوى الطبى المتداول عبر المنصات الرقمية.
من هنا، تصبح المسئولية مشتركة؛ فوزارة الصحة ونقابة الأطباء مطالبتان بتكثيف حملات التوعية عبر نفس المنصات التى ينشط فيها مروجو الوهم، بلغة بسيطة ومباشرة تصل إلى المواطن العادى. كما أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مطالب بتشديد الرقابة على الإعلانات الطبية، ووقف كل ما يروج لأدوية مغشوشة أو أساليب علاجية غير موثوقة، مع محاسبة كل من يشارك فى تضليل المرضى.
إن حماية صحة المواطن لا تتحقق فقط بتوفير العلاج، بل أيضاً بحمايته من الخداع؛ فالطب علم، لا يحتمل الاجتهاد العشوائى، ولا يقبل أن يتحول إلى وسيلة للربح على حساب آلام الناس.