بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

مصر تقترب من الاكتفاء الدوائى

بوابة الوفد الإلكترونية

لم تعد قضية توافر الدواء مجرد ملف خدمى، بل تحولت إلى ركيزة استراتيجية ترتبط مباشرة بحماية صحة المواطنين واستدامة الأنظمة الصحية، وفى هذا السياق، تكشف المؤشرات الحالية أن مصر تمضى بخطى ثابتة نحو بناء منظومة إمداد صحية ذكية، قادرة على الصمود أمام التقلبات العالمية، مدعومة برؤية تستهدف تحقيق الاكتفاء وتعزيز التصنيع المحلى والتحول الرقمى.

البيانات الصادرة عن منظومة الرعاية الصحية تعكس تحولات عميقة فى إدارة الإمداد، حيث تجاوزت معدلات توافر الأدوية والمستلزمات الطبية 91%، رغم الاضطرابات التى شهدتها الأسواق العالمية خلال السنوات الأخيرة. وهذا الرقم لا يعكس فقط كفاءة تشغيلية، بل يشير إلى تطور فى أدوات التخطيط والحوكمة وإدارة المخزون، التى أصبحت تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والبيانات.

ويؤكد الدكتور أحمد السبكى، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، أن إدارة سلاسل الإمداد لم تعد وظيفة لوجستية تقليدية، بل أصبحت «ركيزة أساسية لضمان استدامة النظام الصحي»، مشيراً إلى أن حجم الاستهلاك داخل منظومة التأمين الصحى الشامل يكشف عن تحدٍ كبير؛ إذ يتم سنوياً تداول أكثر من 3800 صنف دوائى و14 ألف مستلزم طبى، بميزانيات مرشحة للزيادة مع التوسع فى التطبيق، وهو ما يتطلب أنظمة أكثر كفاءة ومرونة.

وفى قلب هذا التحول، يبرز ملف توطين الصناعة الدوائية كإحدى أهم أدوات تحقيق الأمن القومى الصحى، وتشير التقديرات إلى أن مصر نجحت فى توطين نحو 90% من احتياجاتها الدوائية، بالتعاون مع القطاع الخاص، مع خطط لإنتاج عشرات الأصناف الاستراتيجية من الأدوية المنقذة للحياة والمستلزمات الطبية. وهذا التوجه لا يقلل فقط من الاعتماد على الاستيراد، بل يخلق أيضاً قيمة اقتصادية مضافة، حيث يوضح الدكتور يس رجائى، مساعد رئيس هيئة الدواء المصرية، أن كل دولار يُستثمر فى توطين صناعة الدواء يحقق عائداً يتراوح بين 3 و7 دولارات.

الأرقام تدعم هذا الاتجاه إذ ارتفع عدد مصانع الدواء إلى 183 مصنعاً تضم أكثر من ألف خط إنتاج، مع تحقيق وفر اقتصادى يُقدر بنحو 691 مليون دولار نتيجة توطين عدد من المستحضرات خلال عام واحد، إلى جانب نمو ملحوظ فى صادرات الدواء، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمى للصناعات الدوائية.

لكن التحول لا يتوقف عند حدود التصنيع، بل يمتد إلى إعادة هندسة منظومة الإمداد بالكامل عبر التحول الرقمى. فبحسب تصريحات قيادات المنظومة، يجرى التوسع فى تطبيق نظم إدارة الموارد المؤسسية (ERP) لميكنة العمليات الإدارية واللوجستية، بما يضمن إحكام الرقابة وتقليل الهدر وتحقيق أعلى درجات الشفافية. وقد أسهم هذا التحول بالفعل فى تحقيق وفر اقتصادى تجاوز 1.1 مليار جنيه، وفق ما أكده الدكتور وائل عمران، رئيس الإدارة المركزية للإمداد.

ومن أبرز ملامح المرحلة الجديدة، الاتجاه نحو إنشاء مخازن استراتيجية ذكية تعتمد على الروبوتات والتتبع اللحظى للمخزون، فى خطوة تعكس انتقال مصر إلى نموذج متقدم فى إدارة اللوجستيات الصحية، يهدف إلى تقليل الفاقد ورفع كفاءة التشغيل وضمان استمرارية الإمدادات حتى فى أوقات الأزمات.

الرؤية المصرية تتقاطع مع التوجهات الدولية إذ يشير الدكتور نعمة عابد، ممثل منظمة الصحة العالمية فى مصر، إلى أن «سلاسل الإمداد القوية تمثل خط الدفاع الأول لضمان وصول الخدمات الصحية بشكل عادل»، مؤكداً أن النظم الصحية الحديثة أصبحت تعتمد على البيانات والتحول الرقمى كأدوات رئيسية لتحسين الكفاءة وتقليل الهدر.

ولا تنفصل كفاءة الإمداد عن جودة الرعاية الطبية، حيث باتت النماذج الحديثة تركز على الإدارة القائمة على القيمة، وربط الإنفاق الصحى بالنتائج العلاجية، بما يضمن تحقيق أفضل مخرجات صحية للمريض. كما تبرز أهمية العدالة فى توزيع الدواء كعامل حاسم فى نجاح منظومة التأمين الصحى الشامل، خاصة مع التوسع فى تطبيقها على مستوى الجمهورية.

وفى موازاة ذلك، يكتسب الاستثمار فى العنصر البشرى أهمية خاصة، حيث شهدت برامج تدريب الكوادر قفزات كبيرة لضمان جاهزية الفرق للتعامل مع النظم الحديثة والتحديات المتزايدة، ما يعكس إدراكاً بأن التكنولوجيا وحدها لا تكفى دون كفاءات قادرة على إدارتها بكفاءة.

كما تبرز إدارة الأزمات والتخطيط الاستراتيجى كعنصرين حاسمين فى بناء سلاسل إمداد مرنة، قادرة على التعامل مع الصدمات العالمية، سواء كانت أوبئة أو اضطرابات فى التجارة الدولية. ويؤكد خبراء القطاع أن بناء منظومة قادرة على التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية، عبر قواعد بيانات ضخمة مدعومة بالذكاء الاصطناعى، يمثل الخطوة الأهم نحو تأمين تدفق الدواء بشكل مستدام.

وفى المجمل، تكشف هذه المؤشرات أن مصر لا تتحرك فقط لتأمين احتياجاتها الحالية من الدواء، بل تؤسس لنموذج متكامل يقوم على التصنيع المحلى، والتحول الرقمى، والشراكات الاستراتيجية، والإدارة القائمة على البيانات. وهو نموذج يضع سلاسل الإمداد فى قلب المنظومة الصحية، باعتبارها الضامن الحقيقى لاستدامة الخدمات وجودتها.