بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خبير يكشف سبب تأخر الكشف عن تقرير الفقر أمام النواب

الدكتور طاهر عبد
الدكتور طاهر عبد الكريم الخبير الاقتصادي

قال دكتور طاهر عبد الكريم الخبير الاقتصادي، ان تأخر إعلان تقرير الفقر في مصر خلال الفترة الأخيرة أثار نقاشًا واسعًا، لكنه في الحقيقة يعكس تحولًا أعمق في طريقة قراءة الواقع الاجتماعي، وليس مجرد مسألة وقت، فالدولة لم تعد تكتفي بقياس الفقر عبر الدخل أو الإنفاق فقط، بل تتجه نحو فهم أشمل لطبيعة معيشة المواطن، وهو ما يفسر الحاجة إلى مراجعة دقيقة قبل إعلان أي أرقام نهائية.


واضاف “عبدالكريم"، تشير أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن معدل الفقر النقدي بلغ 29.7% في 2019/2020. إلا أن هذا الرقم رغم أهميته لا يعكس بالضرورة الصورة الحقيقية والكاملة، خاصة في ظل وجود شريحة كبيرة من المواطنين تعتمد على دخل غير ثابت أو غير مُسجل رسميًا، وهنا تظهر إحدى أبرز التحديات في قياس الفقر بدقة، وهي ما يمكن تسميته (الدخل غير المُثبت)  والذي يشمل أصحاب الحرف الصغيرة، والعمالة اليومية، والباعة الجائلين، والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي وغيرهم كثيرا.


وتابع، فهذه الفئة التي تمثل جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي لا تُفصح في كثير من الأحيان عن دخلها الحقيقي إما لغياب الحوافز أو خوفًا من الأعباء التي ستفرض عليهم، وبالتالي قد يظهر بعضهم ضمن فئات منخفضة الدخل في الإحصاءات رغم أن واقعهم الاقتصادي قد يكون مختلفًا ولا يحتاجون من الدولة سوى الحماية والتنظيم ومد يد العون وهو ما حاولت الدولة على استحياء القيام به، هذا التعقيد يفسر جزئيًا سبب التباين بين نتائج الفقر النقدي والفقر متعدد الأبعاد، الذي يعتمد على مؤشرات أوسع مثل التعليم والصحة والخدمات.


ولفت إلي أن التحول إلى قياس الفقر متعدد الأبعاد الذي تدعمه تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عبر نحو 19 مؤشرًا يمثل خطوة متقدمة نحو فهم أعمق للفقر. فبدلًا من التركيز على (دخل الفرد) يتم النظر إلى (معيشته بشكل اشمل) هل يحصل على تعليم جيد ورعاية صحية مناسبة وسكن لائق وخدمات أساسية، هذا التوجه يعزز من دقة السياسات الاجتماعية، لكنه في الوقت نفسه يزيد من تعقيد عملية جمع البيانات وتحليلها.


في هذا الإطار منح مجلس النواب المصري مهلة إضافية لإتاحة التقرير، وهو ما يمكن تفسيره على أنه حرص على إخراج بيانات متماسكة تعكس هذا التعقيد، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية الأخيرة، فالتسرع في نشر أرقام غير مكتملة قد يؤدي إلى قراءات غير دقيقة وهو ما تحاول المؤسسات تفاديه.
من زاوية أخرى يمثل الاقتصاد غير الرسمي أحد أهم مفاتيح فهم خريطة الفقر في مصر. فالعاملون في هذا القطاع سواء من الحرفيين أو الباعة الجائلين أو أصحاب الأعمال الصغيرة غير المسجلة يواجهون تحديات مزدوجة غياب الحماية الاجتماعية من جهة، وصعوبة الاندماج في الاقتصاد الرسمي من جهة أخرى، ورغم ذلك فإنهم يشكلون قوة إنتاجية حقيقية تسهم في تحريك السوق وتوفير فرص عمل.


واشار التحدي هنا لا يكمن في إدماج هؤلاء بالقوة بل في خلق بيئة جاذبة تشجعهم على الإفصاح عن نشاطهم، ويمكن تحقيق ذلك من خلال حزمة من الحوافز، مثل تبسيط إجراءات التسجيل، وتقديم تأمين صحي واجتماعي مرن، وتخفيض الرسوم في المراحل الأولى، بالإضافة إلى إتاحة تمويلات صغيرة بشروط ميسرة، هذه السياسات لا تهدف فقط إلى زيادة الحصيلة الضريبية بل إلى حماية هذه الفئات ودمجها في منظومة اقتصادية أكثر استقرارًاوضمهم للاقتصاد فيصيرون قوة له وليس سوقا موازيا غير معلوم.


وهناك تجارب دولية عديدة أثبتت نجاح هذا النهج. ففي الهند تم إطلاق برامج لتسجيل العمالة غير الرسمية عبر منصات رقمية بسيطة مع ربطها بمزايا تأمينية وخدمات حكومية مما شجع الملايين على الانضمام للاقتصاد الرسمي. وفي البرازيل ساهمت برامج الدعم المشروط في ربط الفئات غير الرسمية بشبكات الحماية الاجتماعية مع تحفيزهم على الإفصاح عن دخلهم. كما نجحت إندونيسيا في تبسيط تراخيص المشروعات الصغيرة بشكل كبير، ما أدى إلى زيادة معدلات التسجيل الطوعي.
في مصر يمكن البناء على هذه النماذج من خلال تطوير منظومة رقمية موحدة تتيح تسجيل الأنشطة الصغيرة بسهولة وربطها بمزايا حقيقية يشعر بها المواطن مثل التأمين الصحي والمعاشات والدعم الفني والتدريب وتقنين الأوضاع. كما يمكن توسيع دور برامج مثل (تكافل وكرامة) التابعة لـوزارة التضامن الاجتماعي لتشمل تحفيز الاندماج الاقتصادي وليس فقط تقديم الدعم النقدي.
أما فيما يتعلق بتأثير تأخر البيانات على الاستثمار فإن المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها تنظر إلى الصورة الكلية للاقتصاد بما في ذلك مسار الإصلاحات والاستقرار المالي. وفي هذا السياق تواصل مصر تنفيذ سياسات اقتصادية وهيكلية تعزز من ثقة المستثمرين.
أن توفر البيانات الدقيقة في الوقت المناسب يعزز من كفاءة الرقابة البرلمانية ويساعد في توجيه خطط التنمية بشكل أفضل. ومع صدور التقرير المرتقب من المتوقع أن تظهر صورة أكثر وضوحًا لتأثير المتغيرات الاقتصادية الأخيرة بما في ذلك معدلات التضخم التي أشار إليها البنك المركزي المصري.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى تأخر التقرير بمعزل عن هذا التحول الكبير في منهجية القياس، فمصر تتحرك نحو نموذج أكثر تطورًا في فهم الفقر يأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع خاصة في ظل وجود اقتصاد غير رسمي واسع ومع دمج هذه الفئات تدريجيًا في المنظومة الرسمية وتطوير أدوات القياس ستكون الدولة أكثر قدرة على تصميم سياسات عادلة وفعالة تعزز من الاستقرار الاجتماعي وتدعم مسار التنمية المستدامة.