بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بعد رحيل العوضي.. هل تحول"الطيبات" إلى "عقيدة" تحرم ما أحل الله؟

الطبيب الراحل ضياء
الطبيب الراحل ضياء العوضي

لم تنتهِ قصة نظام "الطيبات" بمجرد رحيل مبتدعه الطبيب ضياء العوضي في منتصف أبريل 2026، بل دخلت فصلاً جديداً وأكثر تعقيداً؛ إذ تحول العوضي في نظر مريديه إلى "شهيد العلم والمؤامرة"، مما ساهم في اتساع رقعة نظام "الطيبات" عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ولم يقف نظام الطيبات عند العصف بثوابت طبية وعلمية ولكن تطاول إلى تحريم الأطعمة بزعم استنادها إلى نصوص دينية، وقد واجه العلماء هذا الطرح بتفنيد دقيق، مؤكدين أن نظام "الطيبات" يخلط بين المفاهيم القرآنية والاجتهادات الشخصية غير العلمية، محذرين من خطورة توظيف الدين في تحريم ما أحل الله من رزق. 

 

"الطيبات" و"الخبائث" بين الدين والكيمياء

تقوم قضية “الطيبات والخبائث” في التصور الإسلامي على أصل فقهي ولغوي مرتبط بإباحة ما استطابته الفطرة السليمة ولم يرد نص بتحريمه، كما في قوله تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}، ومن هذا المنطلق يؤكد علماء الأصول أن الأصل في الأطعمة الإباحة، وأن تضييق ما وسّعه الشرع أو تحريم المباح بلا دليل قطعي يُعد تجاوزًا للمقاصد الشرعية.

 

وفي هذا السياق أوضح الدكتور محمد سالم أبو عاصي، أستاذ التفسير وعميد كلية الدراسات الإسلامية السابق بالأزهر، أن:الطيبات قرآنياً: تعني كل ما هو حلال ونافع ومستساغ شرعاً، والخبائث قرآنياً: تعني المحرمات المستقذرة التي حرمها النص الصريح.

وأكد أبو عاصي أن محاولة "تنزيل" هذه المصطلحات على تركيبات كيميائية أو بنيوية للأغذية هو نوع من "التضييق لواسع"، مؤكداً أن القرآن الكريم جاء بمنهج مرن وليس "كتالوجاً غذائياً" يحصر البشر في أصناف بعينها.


هل البقوليات من الطعام الأدنى؟
 


وقد امتدت يد التأويل في نظام "الطيبات" لتشمل البقوليات، حيث استند العوضي بشكل انتقائي لقوله تعالى "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" ليوحي بأن العدس والبصل طعام "أدنى" يجب تركه، وهو ما فنده الدكتور سالم أبو عاصي موضح أن الآية نزلت في سياق عتاب بني إسرائيل على جحودهم لنعمة "المن والسلوى" وهو طعام من الجنة، وليس لتحريم أطعمة الأرض،مؤكد أن وصف رزق الله بأنه "أدنى" بقصد المنع هو افتراء على التشريع الإلهي.
 

 وفي ذات السياق أكد الدكتور محمد علي، الداعية الإسلامي، أن ما طُرح بشأن تحريم بعض الأطعمة التي أحلها الله في نظام الطيبات للراحل ضياء العوضي يُعد مخالفاً للنصوص الشرعية والإجماع، مشدداً على أن تلك الطروحات اعتمدت على إثارة الجدل أكثر من الاستناد إلى دليل علمي أو شرعي موثوق.

وأوضح أن هذه الطروحات اعتمدت على إثارة الجدل أكثر من الاستناد إلى دليل علمي موثوق، مشددًا على أن الأحكام في الحلال والحرام ثابتة في القرآن والسنة.

"الأصل في الأشياء الإباحة" 

كما أوضح الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الفقه الإسلامي وضع ضوابط حاسمة لما يحل ويحرم، مشدداً على أن الأصل في الأطعمة هو الإباحة ما لم يرد نص قطعي بالتحريم."منع الدجاج أو البيض أو اللبن دون سند شرعي يُعد مخالفة جسيمة لجوهر الشريعة وافتئاتاً على حق الله في التشريع، كما قال الله تعالى: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ”.

 وأشار إلى أن التحريم في الإسلام محصور في "الميتة، الدم، لحم الخنزير، وما أهل لغير الله به"، أو ما ثبت ضرره يقيناً بالبحث العلمي المعتمد، وليس بناءً على تأويلات فردية تخالف الواقع الطبي.

 

رد قاطع على "شبهة الجلالة"

بنى العوضي جزءاً كبيراً من نظامه على زعم مفاده أن النبي ﷺ لم يأكل الدجاج، وهو ما رد عليه الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر، بالنفي القاطع مستشهداً بما ورد في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل دجاجاً"، وهو ما يعد دليلًا على الإباحة وعدم وجود أي كراهة شرعية في أكله.

الألبان هل ينتهى عند الفطام؟

 

أما الألبان يتعرض لانتقادات حادة في نظام الطيبات تقوم على مزاعم أنها لا تناسب الاستهلاك البشري بعد مرحلة الفطام،يحظى اللبن في السنة النبوية بمكانة مميزة، إذ كان النبي ﷺ يفضّله ويثني عليه، وجعله من أكمل الأطعمة من حيث التغذية والريّ معًا، حتى ورد في الحديث: «اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه… فإني لا أعلم شيئًا يجزئ من الطعام والشراب غير اللبن». وهو ما يدل على قيمته الغذائية العالية وكونه طعامًا متكاملًا.

وفي هذا السياق أكد الداعية الأزهري الدكتور محمد علي إلى أن النبي ﷺ كان يشرب اللبن وثبت في صحيح البخاري أنه تمضمض بعده لوجود دسم فيه، كما وردت روايات في تناوله للبطيخ، مؤكدًا أن الادعاء بأن أكل البطيخ قد يؤدي إلى الموت لا أساس له من الصحة، ويُعد من المبالغات التي تُثار لإثارة الجدل.

كما أشار الهدي النبوي إلى اللبن في مواضع متعددة، منها حادثة الإسراء والمعراج حين خُيّر النبي ﷺ بين اللبن والخمر فاختار اللبن، فقيل له: «هُديت للفطرة»، في إشارة إلى رمزيته كشراب يتوافق مع الفطرة السليمة.

في نهاية المطاف، تكشف تجربة نظام “الطيبات” عن خطورة المزج غير المنضبط بين التأويل الديني والمعرفة الطبية، وتحويل الاجتهادات الفردية إلى مسلّمات تُقدَّم على أنها حقائق مطلقة. 

فاستمرار تمسك بعض المريدين بهذا النهج حتى بعد وفاة صاحبه بجلطة مفاجئة في القلب، يعكس كيف يمكن للأفكار أن تتحول إلى قناعة جمعية تتجاوز النقد العلمي، خصوصًا حين تُدعم بالعاطفة أو الانتشار الرقمي.