تعيشى يا بلدى
الحد الأدنى للمعاشات.. حق وليس منحة
منذ صدور قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، عُقدت عليه آمال واسعة باعتباره خطوة إصلاحية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، خاصة مع ما تضمنه من نصوص واضحة بشأن ربط الحد الأدنى للمعاش بالحد الأدنى للأجور، ووضع قاعدة موحدة لحساب المعاش لكافة فئات القوى العاملة بالدولة.
وقد جاء القانون، بحسب ما أعلنته الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية على صفحتها الرسمية عقب صدوره متسقًا مع المادة 17 من الدستور المصرى، التى تكفل توفير خدمات التأمين الاجتماعى بما يضمن حياة كريمة للمواطنين!
ولكن بعد مرور سبع سنوات على تطبيق القانون اتسائل أين الحد الأدنى العادل للمعاشات الذى نص عليه القانون؟ ولماذا لم يُترجم هذا النص إلى واقع ملموس يشعر به أصحاب المعاشات رغم أنه حق وليس منحة؟
الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين النص والتطبيق. فبينما شهدت الأجور زيادات متتالية خلال السنوات الأخيرة لمواكبة معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، وصلت مؤخرًا إلى ٨ آلاف جنيه ظل الحد الأدنى للمعاشات أقل بكثير من هذه الزيادات، الأمر الذى أضعف من القدرة الشرائية لأصحاب المعاشات، وجعل شريحة واسعة منهم تواجه صعوبات معيشية يومية.
الأزمة ليست فقط فى ضعف القيمة الأساسية للمعاش التى لاتغنى ولا تثمن من جوع، بل تمتد إلى العلاوات السنوية المتوقفة عند ١٥% التى يفترض أن تخفف من آثار الغلاء، لكنها فى الواقع لم تعد كافية إطلاقًا لملاحقة الارتفاعات المتتالية فى الأسعار. فأصحاب المعاشات يجدون أنفسهم فى مواجهة مباشرة مع موجات غلاء متلاحقة فى السلع الأساسية والخدمات، بدءًا من الغذاء والدواء، وصولًا إلى فواتير الكهرباء والغاز والمياه، بينما تأتى الزيادات السنوية عديمة التأثير، لتتآكل سريعا أمام التضخم.
هذه الفجوة بين الدخل الهزيل وتكاليف المعيشة المتصاعدة تضع ملايين الأسر فى دائرة ضغط اقتصادى رهيب، وتُفقد المعاش دوره فى تلبية احتياجات المواطنين.
كما أن فكرة «الأجر التأمينى الموحد»، التى بُنى عليها القانون، كانت تستهدف القضاء على التشوهات السابقة فى حساب المعاشات، وضمان حصول المؤمن عليه على معاش يعكس دخله الحقيقى خلال فترة عمله. غير أن التطبيق الفعلى كشف عن تحديات، من بينها الفجوة بين الأجر الفعلى والأجر التأمينى فى بعض القطاعات، ما انعكس بدوره على قيمة المعاش المستحق.
بالتأكيد لايمكن إغفال أن ملف المعاشات يرتبط بتوازنات مالية معقدة داخل منظومة التأمينات، بما فى ذلك الاشتراكات والعوائد الاستثمارية والالتزامات المستقبلية، إلا أن ذلك لا ينبغى أن يكون مبررا لتأجيل تنفيذ نصوص قانونية تمس حياة ملايين المواطنين.
إن إعادة النظر فى آليات تطبيق الحد الأدنى للمعاشات لم تعد رفاهية، بل ضرورة اجتماعية ملحة، خاصة فى ظل الضغوط الاقتصادية الراهنة. فالمطلوب ليس فقط زيادة هزيلة فى قيمة المعاش، بل تفعيل حقيقى لفلسفة القانون التى قامت على تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية.
ومن هذه الزاوية أطالب باتخاذ إجراءات عاجلة من الدولة تجاه من افنوا حياتهم فى خدمة الوطن لتفعيل الربط بين الحدين الأدنى للأجور والمعاشات، بما يضمن حماية أصحاب المعاشات وتوفير حياة كريمة لهم.
وأتمنى أن تنتبه الدولة لصرخات أصحاب المعاشات على صفحات التواصل الاجتماعى منذ عدة أشهر التى يطالبون من خلالها بتطبيق الحد الأدنى للمعاشات أسوة بالحد الأدنى للأجور، واحذر من تجاهل هذه الفئة التى تعانى أشد المعاناة من الغلاء الفاحش وتدنى الدخل منذ سنوات.