ﺣﻤﺎﻳﺔ اﻷﻃﻔﺎل ﻣﻦ اﻟﺴﻮﺷﻴﺎل ﻣﻴﺪﻳﺎ ﺗﻮﺟﻴﻪ رﺋﺎﺳﻰ
تحركات برلمانية عاجلة لحماية الطفولة من «هوس الريتش» والجرائم الإلكترونية
تريند «الماء المغلي» إنذار أخير للتحرك لدفع المخاطر عن الأبناء
تصوير الطفل يعرضه للتنمر الرقمى والاكتئاب ويدمر علاقاته بالآخرين
مطالبات بمعاقبة الآباء لاستغلال أبنائهم فى تحقيق مكاسب مادية
خبراء يحذرون: الأطفال هم الحلقة الأضعف فى فوضى «الكاميرات المفتوحة»
فى الآونة الأخيرة، ومع تصاعد خطورة السوشيال ميديا والبحث عن الربح السريع والشهرة الأسرع، لم يعد التريند مجرد وسيلة للترفيه أو مساحة للتعبير عن النفس، لكنه تحول عند البعض إلى هوس حقيقى يدفع إلى ممارسات خطرة، قد تصل فى بعض الأحيان إلى إيذاء الذات، فقط من أجل حصد المشاهدات والتفاعل.
ومع انتشار هذه الظاهرة استجاب مجلس النواب لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى وأكد المجلس أنه يعتزم اتخاذ جميع الخطوات الجادة، فى إطار ما نظمه الدستور واللائحة الداخلية للمجلس، لإعـــداد مـشـروع قـانـون ينظم وضــع ضوابط لاستخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعى، أسوة بما قامت به بعض الدول من منع استخدام الهواتف المحمولة للأطفال، وهو ما يضع حدًا للفوضى الرقمية التى تواجه أبناءنا وتؤثر بشكل سلبى على مستقبلهم.
وأوضــح «الـنـواب» فى بيان أصــدره أن هذا التوجه يعكس إدراك الـدولـة العميق لحجم التحديات التى تواجه أطفال مصر من مخاطر نفسية وسلوكية نتيجة الاسـتـخـدام المفرط لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعى الذى قد يصل إلى حد الإدمان الرقمى، وكذا حرص على إعداد جيل واعى قادر على الاستخدام الأمثل لمواقع التواصل الاجتماعى وغيرها من ٍ الدولة وسائل التكنولوجيا الحديثة.
بيان البرلمان أكد على إجراء حـــوار مجتمعى موسع من خلال لجانه المختصة لتلقى كافة الرؤى والأطروحات من مؤسسات الدولة المعنية وفى مقدمتها الحكومة ممثلة فى وزيــرى الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسى، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، والمجلس القومى للأمومة والطفولة، وغيرها، للوصول إلى صياغة تشريعية دقيقة تحقق الهدف المنشود لحماية النشء المصرى من أى مخاطر تهدد أفكاره وسلوكياته.
كان الرئيس عبدالفتاح السيسى قد ناشد الحكومة والبرلمان دراسة تجربة أستراليا وبريطانيا المتعلقة بمنع استخدام فئات معينة من الأطفال للهواتف المحمولة حتى سن معينة، مضيفا أن أستراليا وبريطانيا أصدرتا تشريعات لتنظيم تلك المسألة.
جنون التريند
خلال الأشهر الماضية، انتشرت عدة تريندات اعتمدت على تجارب مؤذية للجسم، من بينها ما عرف بتريند المياه المغلية أو الشاى المغلى الذى أثار حالة من الجدل الواسع، وحذر أطباء الجلدية منه عقب تسجيل حالات إصابة وحروق بين المشاركين فيه، مؤكدين أن السعى وراء الشهرة أو التفاعل على مواقع التواصل لا يمكن أن يكون مبررا لتعريض الجسد لمخاطر صحية حقيقية.
ومع تصاعد الجدل علقت دارالإفتاء المصرية على هذه الظاهرة، محذرة من الانسياق خلف تريندات تضر بالنفس، ومشددة على أن إيذاء الجسد أو تعريضه للخطر بدعوى التقليد أو الشهرة أمر مرفوض دينيا وأخلاقيا.
هذا الهوس لم يتوقف عند حدود إيذاء النفس، بل فتح الباب أمام تجاوزات أخطر، كان من أبرزها استغلال الأطفال فى محتوى يستهدف جذب المشاهدات وتحقيق التفاعل، دون اعتبار لسنهم أو وعيهم أو حقوقهم الأساسية، وبين كاميرا مفتوحة وتعليقات يتحول الطفل من صاحب حق فى الحماية والرعاية إلى وسيلة للانتشار والشهرة وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول حدود المسؤولية ووعى المجتمع وما إذا كان كل ما يحقق التريند يمكن قبوله أو تبريره.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التريندات المؤذية أو المحتوى الاستعراضى، بل امتد إلى مساحات أكثر حساسية مع تداول مقاطع ظهر فيها أطفال داخل برامج المواعدة فى سياق لا يتناسب مع أعمارهم أو مستوى وعيهم، ويحملهم أدوار ومفاهيم تنتمى إلى عالم الكبار هذا النوع من المحتوى أثار موجة واسعة من الجدل والرفض المجتمعى، باعتباره تجاوزا للحدود الأخلاقية والتربوية، وانتهاك صريح لحق الطفل فى الحماية والنشأة السليمة.
ومع تصاعد الانتقادات تحرك المجلس القومى للطفولة والأمومة، رافضًا بشكل تام إشراك الأطفال فى هذا النوع من البرامج ومؤكدًا أن ما تم تداوله يمثل مخالفة لقانون الطفل لما يتضمنه من استغلال وتشويه لمعنى الطفولة إلى جانب ما قد يسببه من أضرار نفسية واجتماعية للأطفال وأعلن المجلس اتخاذه إجراءات قانونية بشأن الواقعة مشددًا على أن حماية الأطفال من أى محتوى غير مناسب أولوية لا تهاون فيها، وأن موافقة أولياء الأمور لا ترفع المسؤولية القانونية إذا ثبت أن المحتوى يسيء إلى الطفل أو يؤثر على سلامته النفسية.
هذه الواقعة كشفت بوضوح كيف يمكن للهوس بالتريند أن يدفع البعض إلى تجاوز كل الخطوط، وتحويل الأطفال إلى مادة للجدل والتفاعل، فى غياب وعى حقيقى بعواقب ما يُقدم لهم وباسمهم كما أعادت التأكيد على ضرورة وجود رقابة مجتمعية ومؤسسية أكثر فاعلية، تضع حدًا لاستخدام الأطفال فى محتوى يفرغ الطفولة من معناها، ويقدمها فى مشاهد تنتقص من براءتها.
سلع بشرية
وفى هذا السياق أكد الدكتور شريف الراعى رئيس قسم الإرشاد النفسى قطاع المدن الجامعية بجامعة عين شمس، أن ما نشهده اليوم على منصات التواصل الاجتماعى يعكس انتقالًا خطيرًا نحو ما يمكن تسميته بالسلع البشرية الرقمية حيث يتحول الإنسان وبشكل أكثر خطورة الطفل إلى أداة لجذب المشاهدات وتحقيق التفاعل.
وأشار إلى أن الأطفال هم الحلقة الأضعف فى هذه المنظومة، لأنهم لا يمتلكون القدرة النفسية أو الإدراكية على الرفض أو اتخاذ قرار واعى بالظهور أمام الكاميرا وأن الطفل الذى يتحول إلى تريند يعيش حالة من التزييف الواقعى إذ تبدأ قيمته الذاتية فى الارتباط بما يقدمه للجمهور لا بما هو عليه فى حقيقته وان هذا الارتباط يؤدى إلى تكوين ما يعرف بالذات المزيفة حيث ينشغل الطفل بإرضاء الكاميرا والمتابعين بدلًا من اكتشاف نفسه وميوله بشكل طبيعى وهو ما يحرمه من عفوية الطفولة ويضعه تحت ضغط نفسى لا يتناسب مع مرحلته العمرية.
وحول مسألة الوعى أوضح أن الأطفال خاصة من هم دون سن الثانية عشرة، لا يدركون مطلقًا التبعات طويلة المدى للظهور الرقمى، فالطفل يرى الكاميرا كلعبة، أو وسيلة لنيل اهتمام وحب الوالدين، لكن الخطر الحقيقى يكمن فى ما يسميه الضغط المستتر فعندما يلاحظ الطفل فرحة الأهل بعدد المشاهدات أو العوائد المادية، يتولد لديه شعور داخلى بأنه مطالب بالاستمرار للحفاظ على مكانته داخل الأسرة، وهو نوع من الاستغلال العاطفى المغلف بالحب المشروط.
وحذر من أن التكرار المستمر لتصوير الطفل ونشره يحوله تدريجيًا إلى ما يشبه موظفًا لدى أسرته وهو ما ينعكس فى آثار نفسية طويلة المدى من أبرزها اضطراب الهوية حيث قد يتساءل الطفل مستقبلًا عن حقيقته بعيدًا عن الفيديوهات إلى جانب القلق الاجتماعى والخوف من فقدان الشهرة أو التعرض للتنمر الرقمى، فضلًا عن صعوبة بناء علاقات إنسانية طبيعية ومتوازنة.
أما عن تأثير التعليقات والمشاهدات فيؤكد أن ثقة الطفل بنفسه تصبح ثقة خارجية مشروطة. فالتعليقات الإيجابية تمنحه دفعة مؤقتة من الشعور بالسعادة، سرعان ما تتحول إلى إدمان، بينما تؤدى التعليقات السلبية إلى آثار قاسية، لأن الطفل لا يمتلك درعًا نفسيًا يحميه من التنمر، ما قد يدفعه إلى الاكتئاب أو كره الذات فى سن مبكرة.
وحدد رئيس قسم الإرشاد النفسى قطاع المدن الجامعية بجامعة عين شمس معايير واضحة يتحول عندها الأمر إلى استغلال نفسى صريح، حتى لو كانت نوايا الأهل حسنة، مثل انتهاك خصوصية الطفل فى لحظات ضعفه أو إجباره على التصنع وأداء أدوار لا تناسب عمره أو اعتماد الأسرة ماديًا على محتواه أو حرمانه من حياته الطبيعية لصالح التصوير.
واختتم حديثه برسالة مباشرة للأهالى مؤكدًا أن الأطفال ليسوا محتوى وأن طفولتهم ليست ملكية عامة فالمشاهدات مؤقتة والتريند زائل لكن الأثر النفسى لانتهاك براءة الطفل وخصوصيته قد يظل محفورًا فى وجدانه لسنوات طويلة داعيًا الأسر إلى أن تكون درع حماية لأطفالها، لا وسيلة لاستثمارهم.
ومن جانبها قالت داليا نعمان المحامية بالنقض أن كلمة التريند قد تبدو فى ظاهرها بسيطة لكنها تحمل فى طياتها مطامع وأهداف تتجاوز فى كثير من الأحيان حدود المنطق والعقل خاصة عندما يتم الزج بالأطفال فى هذا السباق المحموم نحو الشهرة والمكاسب السريعة، وتشير إلى أن الخطورة الحقيقية تبدأ حين يتحول الطفل من طالب علم مكانه الطبيعى بين جدران المدارس، إلى أداة لجذب المشاهدات وتحقيق الأرباح فى مشهد يفرغ الطفولة من معناها الحقيقى.
واوضحت نعمان أن استغلال الأطفال فى فيديوهات التريند يعد بصفة عامة فعلًا مجرمًا يعاقب عليه القانون لا سيما إذا تضمن انتهاك لحقوق الطفل أو تعريضه لأذى نفسى أو أخلاقى، وأن المسؤولية القانونية لا تقع فقط على صانع المحتوى بل تمتد أيضًا إلى ولى الأمر، باعتباره المسؤول الأول عن حماية طفله، ورعايته، وتنشئته تنشئة سليمة قائمة على التعليم والتربية، لا على السعى وراء المال أو الشهرة الزائفة.
وأضافت أن موافقة ولى الأمر لا تبرر بأى حال من الأحوال هذا النوع من الاستغلال، خاصة إذا كان الدافع الأساسى هو الربح المادى دون اعتبار لما يترتب عليه من آثار سلبية تمس الطفل فى الحاضر والمستقبل، مؤكدة أن القانون لا يعتد بالرضا الشكلى، بل بما يحقق حماية الطفل وحقوقه الأساسية.
وأشارت نعمان إلى أن بعض أشكال المحتوى المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعى تجاوزت كل الخطوط الحمراء، خصوصًا ما تم تداوله مؤخرًا بشأن برامج مواعدة يظهر فيها أطفال فى سن صغيرة، وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا للحدود الأخلاقية والدينية والإنسانية، ويخالف صراحة القيم المجتمعية المستقرة مؤكدة أن مثل هذا المحتوى لا يمكن تصنيفه ضمن الترفيه أو الإبداع، بل يندرج تحت بند الإساءة المباشرة للطفولة واستغلالها.
وحذرت من أن الخطورة لا تكمن فقط فى المشهد المصور، بل فى الفكرة التى يتم ترسيخها لدى الطفل، حيث يُدفع إلى الظهور فى محتوى لا يتناسب مع عمره أو وعيه، فقط لإرضاء الجمهور وتحقيق عائد مادى ما يؤدى إلى تشويه منظومة القيم وإهدار الوقت وتقديم نموذج هابط يخلو من أى مضمون تعليمى أو تربوى.
وأكدت أن ما يحدث فى هذه الحالات يعد جريمة مكتملة الأركان فى حق الطفولة تستوجب تدخلًا قانونيًا حاسمًا، يبدأ بمحاسبة صانع المحتوى ولا ينتهى عند ولى الأمر، حتى وإن تمت هذه الأفعال بموافقته فالقانون كما تؤكد، وضع لحماية الفئات الأضعف وعلى رأسها الأطفال من أى استغلال أو انتهاك.
وشددت على ضرورة تفعيل نصوص قانونية صارمة ورادعة لمواجهة هذه الظاهرة، ومنع تكرارها، حمايةً للطفولة من الانحدار الأخلاقى والتدنى القيمى، وضمانًا لحق الأطفال فى تنشئة سوية قائمة على التعليم والاحترام، لا على الاستغلال والمتاجرة ببراءتهم.