أب يقتل ابنته جوعًا.. ورجل يموت وحيدًا وأشقاؤه يرفضون استلام الجثة
الجحود الأسرى سرطان ينهش نسيج مصر
خبراء: الظروف الاقتصادية ووسائل التكنولوجيا أسهمت فى زيادة الفجوة بين الأسر
تحولات نفسية واجتماعية وهروب من المسئولية تقود إلى القطيعة وتزيد القسوة
لم يكن أحد يتوقع أن يتحول نزاع قانونى على شقة قديمة فى مدينة طنطا إلى مرآة صادمة تكشف الكارثة التى اصابت الروابط الأسرية فى المجتمع، إذ لم تكن القصة مجرد نزاع، ولكن كانت حياة إنسان سقط من الذاكرة بشقة لا يتجاوز ايجارها 12جنيهًا، أُغلقت أبوابها لسنوات من دون أن يطرقه أحد، حتى قررت صاحبتها اللجوء إلى القضاء لاستردادها بعد انقطاع المستأجر عن سداد الإيجار.
وعند تنفيذ الحكم، كانت الصدمة وجدوا جثمانًا متحللًا لإنسان فارق الحياة منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، عاش ومات وحيدًا، من دون أن يسأل عنه جار أو قريب، ومن دون أن يلفت غيابه انتباه أحد.
هذا المشهد لم يكن هو الأخير فى هذه المأساة، ولكن الأكثر وجعًا هو رفض أشقاء المتوفى استلام جثمانه أو دفنه، بل إنهم امتنعوا حتى عن إخلاء الشقة من متعلقاته، فى مشهد جسد معنى الجحود بأقسى صوره. فلم تتحرك المشاعر، ولم يكسر هذا الجمود الإنسانى، إلا حين لجأ ضابط المباحث إلى حيلة اضطرارية، بإبلاغ الأشقاء بأن شقيقهم ترك أموالًا داخل الشقة، لتكون المفارقة أن المال وحده كان كافيًا لتحريك خطواتهم نحو المكان الذى تجاهلوه لسنوات.
الواقعة التى شهدتها مدينة طنطا لم تكن مجرد حادث إنسانى مأساوى، لكنها كشفت جانبًا قاسيًا من واقع اجتماعى يتراجع فيه التواصل الأسرى، وتضعف معه معانى السؤال والاهتمام.
ولم تتوقف مظاهر الجحود عند حدود الصمت أو غياب السؤال فقط، بل امتدت فى بعض الوقائع إلى صور أكثر قسوة، كما فى واقعة فتاة قنا التى كشفت التحقيقات عن أن والدها هو المتسبب الرئيسى فى وفاتها، بعد منعها من الطعام والشراب لفترة طويلة، وحبسها داخل قفص حديدى حتى لفظت أنفاسها الأخيرة. واقعة صادمة تعكس إلى أى مدى يمكن أن يصل تآكل الرحمة داخل الأسرة حين تتحول السلطة الأبوية من رعاية وحماية إلى قهر وإيذاء قاتل، وتصبح العلاقة الأسرية مساحة للعقاب لا للاحتواء.
واقعة مشابهة شهدتها الواحات البحرية حينما تم العثور على جثة شاب (40 عامًا) متحللة داخل مسكنه، حيث تبين أنه توفى منذ 6 أشهر ولم يسأل عليه أحد أشقائه حتى اكتشفت المباحث الواقعة، وتبين أن الشاب أصيب بحالة إكتئاب بعد طلاق زوجته، ومكثف فى شقته وحيدًا حتى وافته المنية.
انعكاس لتحولات عميقة
من جانبها قالت الدكتورة إيمان عبدالله استشارى العلاج النفسى، إن الجحود الاجتماعى لم يعد سلوكًا متعمدًا بالمعنى المباشر، بقدر ما أصبح انعكاسًا لتحولات نفسية واجتماعية عميقة مر بها المجتمع خلال السنوات الأخيرة.
وأوضحت أن الكثير يفسره على أنه قسوة أو تجاهل متعمد، وهو فى الحقيقة انسحاب عاطفى تدريجى فرضته حالة من الإرهاق النفسى المزمن وضغط الحياة، الذى جعل الإنسان أقل قدرة على التواصل وأكثر ميلًا للانشغال بالذات.
وأشارت استشارى العلاج النفسى إلى أن عدد متزايد من الأفراد باتوا يعيشون داخل دوائر مغلقة، ينشغلون فيها بتدبير شئونهم اليومية فقط، فى ظل أعباء اقتصادية ومعيشية ضاغطة استنزفت طاقتهم النفسية، وجعلتهم غير قادرين على منح الاهتمام أو السؤال عن الآخرين، ليس بدافع القسوة وإنما نتيجة شعور داخلى بالعجز والتشبع النفسى، كما أن هذا النمط من الانسحاب غالبًا ما يتم دون وعى كامل من ممارسيه، بينما تكون آثاره قاسية على الطرف الآخر.
وتؤكد عبدالله أن كبار السن هم الفئة الأكثر تضررًا من الجحود الاجتماعى، حيث ينظر إليهم أحيانًا باعتبارهم فى مرحلة متأخرة من العمر، ما يقلل بشكل غير مباشر من الإحساس بأهمية التواصل معهم أو السؤال عن احتياجاتهم النفسية، وهذا التصور يخلق فجوة عاطفية واسعة، يشعر فيها المسن بأنه عبء أو خارج دائرة الاهتمام، حتى وإن لم يصرح بذلك صراحة.
وتلفت إلى أن الجحود الاجتماعى لا يحدث فجأة، وإنما يمر بمراحل متدرجة تبدأ بالفتور فى العلاقة، ثم الانسحاب التدريجى، وصولًا إلى حالة من اللامبالاة الكاملة. وهى مراحل تتشكل ببطء شديد، بحيث لا يشعر بها الطرف الذى يمارسها فى حين يتلقاها الطرف الآخر كتراكم من الخيبات الصامتة ومع الوقت تفقد العلاقات الإنسانية وظيفتها النفسية الأساسية، المتمثلة فى الأمان والاحتواء، لتتحول إلى عبء ثقيل مهما كانت درجة القرابة.
كما ترى عبدالله أن التحولات الاقتصادية إلى جانب صعود الثقافة الاستهلاكية، عززت النزعة الفردية وفكرة الاستقلال المفرط، على حساب الروابط الأسرية والتواصل الإنسانى الحقيقى، وأن التكنولوجيا رغم دورها فى تسهيل التواصل، أسهمت فى خلق نمط من العلاقات الشكلية، حيث يرى الناس بعضهم البعض أكثر، لكن دون إحساس فعلى أو مشاركة وجدانية حقيقية.
واختتمت حديثها قائلة: إن الإنسان لا يهرب من العلاقات بقدر ما يهرب من الألم المرتبط بها، موضحة أن الجحود فى جوهره يُعد آلية دفاعية نفسية يلجأ إليها الفرد المنهك للحفاظ على ما تبقى لديه من طاقة. وتحذر من أن استمرار هذا النمط دون وعى أو معالجة حقيقية قد يحول الجحود من سلوك فردى محدود إلى أزمة اجتماعية ممتدة تهدد تماسك الروابط الإنسانية داخل المجتمع.
تغيرات عميقة
واستكمل الحديث الدكتور أحمد متولى سعد، الأستاذ بكلية التربية بجامعة الأزهر، موضحًا أن المجتمعات المعاصرة وخاصًا المجتمعات العربية، شهدت تحولات متسارعة أحدثت تغيرات عميقة فى طبيعة العلاقات الأسرية، انعكست بشكل واضح على صلة الرحم، التى لم تعد تحظى بالمكانة التى أكدتها النصوص الشرعية ورسختها التربية الإسلامية عبر العصور.
وأشار إلى أن الروابط التى ميزت الأسرة العربية تاريخيًا شهدت تراجعًا ملحوظًا، بالتوازى مع تقلّص عدد من القيم والتقاليد الأسرية الراسخة التى كانت تشكل الإطار الوجدانى للعلاقات، وتغذيها بروح المودة والرحمة والتواصل الإنسانى الحقيقى.
وأوضح أن الوقائع المتكررة كشفت عن ضعف السؤال بين الأقارب، واتساع دوائر العزلة داخل الأسرة الواحدة، لا سيما بين كبار السن، فى ظل مظاهر اجتماعية خادعة توحى بالتماسك، بينما تخفى فى جوهرها تفكك وجدانى صامت.
وأكد أن تفسير هذه الظاهرة لا يمكن اختزاله فى ضغوط الحياة وتسارع وتيرتها فقط، بل يتطلب قراءة تحليلية متكاملة تجمع بين البعد الدينى، بوصفه معيارًا للالتزام القيمى، والبعد التربوى الذى يفسر أنماط السلوك الإنسانى ويحلل جذوره النفسية والاجتماعية.
وأشار إلى أن صلة الرحم تعد من أعظم القيم الأخلاقية فى الإسلام، إذ حث عليها الشرع الحنيف وربطها بأثر مباشر فى حياة الفرد والمجتمع، فى الدنيا والآخرة، وتشمل الإحسان إلى الأقارب، وتفقد أحوالهم، ومساندتهم عند الحاجة، والتعامل معهم بالرفق قولًا وفعلًا. وقد شدد القرآن الكريم على هذه القيمة، وحذر من قطيعة الرحم، كما أكد النبى صلى الله عليه وسلم خطورتها بقوله: «لا يدخل الجنة قاطع رحم»، بما يبين أن التقصير فى حق الأقارب لا يمكن تبريره بتغير الظروف أو التحولات الاجتماعية.
ومن المنظور التربوى، أوضح الدكتور أحمد متولى أن الجحود بين الأقارب يعد من أخطر صور التقصير القيمى، إذ لا يظهر فى صورة عداء مباشر، بل يتخفى خلف الصمت واللامبالاة وغياب السؤال، وهو ما يجعله أكثر إيلامًا من الخصومة. ويرتبط هذا السلوك بضعف التنشئة القيمية داخل الأسرة، حيث يطغى التركيز على الإنجاز الفردى والمكاسب المادية على حساب ترسيخ قيم الرحمة والوفاء والمسئولية الأسرية.
مشيرًا إلى القطيعة غير المعلنة، وهى نمط من القطيعة يخلو من مظاهر الخلاف الظاهر، لكنه يقوم على غياب التواصل الحقيقى وانعدام الحضور عند الحاجة، مؤكدًا أن هذا النمط لا يعد صلة للرحم فى الميزان الشرعى، لأن الصلة تقوم على الفعل والمبادرة، كما ورد فى الحديث الشريف: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذى إذا قطعت رحمه وصلها».
وانتقد الخطاب التبريرى الذى يكتفى بحسن النية رغم غياب الفعل، مؤكدًا أن القيم لا تُقاس بالمشاعر المجردة، بل بما يترجم منها إلى سلوك عملى داخل الواقع الاجتماعى، وأن النية لا تنفصل عن العمل فى المفهوم الدينى والتربوى.
وحذّر من الاعتماد المفرط على وسائل التواصل الحديثة كبديل عن الصلة الحقيقية، موضحًا أن التواصل الرقمى لا يغنى عن السؤال الجاد أو الزيارة أو أداء الواجب الإنسانى، خاصة فى أوقات المرض أو التقدّم فى السن، مؤكدًا أن صلة الرحم تقوم على حضور القلب ومبادرة الفعل معًا.
وتتجلى خطورة هذا التراجع فى التعامل مع كبار السن، إذ يعد إهمال السؤال عنهم تقصير دينى وتربوى، لما يحمله من عقوق وجفاء، محذرًا من أن المجتمعات التى تهمل كبارها تفقد ذاكرتها القيمية، وتنتج أجيالًا أقل تعاطفًا وأكثر ميلًا للقسوة.
واختتم حديثه بالتأكيد أن تراجع صلة الرحم ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة ممارسات وسلوكيات خاطئة، تمثل فى جوهرها أزمة دينية، وفى مظاهرها أزمة تربوية واجتماعية، لا يمكن تجاوزها إلا بإعادة الاعتبار لصلة الرحم كقيمة إنسانية يومية تبدأ بالسؤال، وتتجسد بالفعل، وتصان بالرحمة والوفاء.