لعل وعسى
التزوير الهندى والنزييف الخليجى (٢)
تناولنا فى المقال السابق كيف أن رحلة البحث عن العلم والتسلح بالخبرات والمعرفة تتطلب تتعدد الغايات للارتقاء بالذات، ولكن فى دولة الهند اختفت هذه الغايات، بعد ضبط أكثر من مليون شهادة مزورة،وهذا يعنى أننا أمام منظومة دولية سوداء تبيع الخبرة لمن لا يملكها، وتمنح العلم لمن لم يدرسه،وقد تناولنا أن المشكلة تبرز فى أن التزوير وصل إلى أخطر التخصصات فى دول بعينها مثل القطاع الصحى والهندسى، وقد أكدنا أن قطاع البرمجة والتقنية هو الأخطر على الإطلاق،لما سيؤدى إليه من أنظمة مخترقة، بيانات مسربة، مؤسسات تدار من شخص لا يعرف قواعد الأمن السيبرانى، وخسائر مادية فادحة، وتداعيات اقتصادية خطيرة خاصة على دول الخليج التى تعتمد للأسف على نسبة كبيرة جدًا من هذه العمالة الهندية المزورة،وهذه القضية لم تظهر من فراغ، بل من: الطلب الهائل على الهجرة، والمنافسة الشرسة على الوظائف، كذلك ضعف الرقابة على الجامعات الخاصة،مع وجود سوق سوداء للشهادات منذ سنوات، اضافة إلى جهل بعض أصحاب العمل بطرق التحقق الحديثة. وقد قمنا بحصر التأثير الاقتصادى والأمنى على دول الخليج والتى تمثلت فى تقويض الثقة فى أنظمة التوظيف،إثارة المخاوف الأمنية المتزايدة، عبر وجود تهديد أمنى محتمل نتيجة تسلل أشخاص غير مؤهلين إلى قطاعات حيوية، وأن الشهادات العلمية المزورة سينتج عنها فساد إدارى كبير فى مختلف المجالات والوظائف، وأن الأثر الأخطر على الإطلاق أننا قد نتفاجأ بإحتلال ممنهج لبعض الدول الخليجية وخروجها من الدائرة العربية بصورة جوهرية حتى وإن بقت شكليا. وهو أمر يتطلب تدخل كبير العرب، وفى اعتقادنا أن الإدارة المصرية لن تقبل بتقويض الأمن القومى العربى. وأن هذا التدخل يتطلب
أولا إيجاد حل مناسب لقضية العمالة المصرية، وضمان اعتراف دول الخليج بالشهادات الجامعية المصرية،وهذا يتطلب البدء فى تدشين استراتيجية تشترك فيها جامعة الدول العربية تهدف إلى وضع أطر وحلول للتحديات والمعوقات التى تواجهها دول الخليج من وراء انتشار الشهادات المزيفة، ونرى ضرورة تعديل ميثاق الجامعة لضمان الوصول إلى آلية فعالة ملزمة لتسوية هذه القضية المؤثرة على الأمن القومى الاقتصادى العربى، وتطوير مجلس الأمن العربى والعمل على تعزيز الروابط بين الشعوب العربية لأن المشكلة الأساسية تكمن فى ضعف العمل العربى المشترك وغياب الإرادة والإدارة العربية المشتركة. ولتكن البداية فى الإسراع بصياغة رؤية جديدة للأمن الجماعى العربى قوامها القوى الذاتية للأمة العربية وفق آليه عربية تنبثق عن الأحكام الجديدة لميثاق الجامعة العربية، وهذا ما يسعى إليه الرئيس السيسى حاليًا،لان القضية ليست مجرد شبكة تزوير اعتيادية، بل تهديد إستراتيجى عابر للحدود يمس مباشرة الأمن القومى العربى والمصرى، وأن هذه القضية تكشف هشاشة خطيرة فى الاعتماد على شهادات خارجية دون تدقيق تعرض فيه الدول العربية نفسها لخطر التخريب غير المتعمد الناتج عن عدم الكفاءة.وبالتالى فإن الدولة المصرية ترى أنه تهديد لسوق العمل العربى مع خلق منافسة غير عادلة للمصريين، يهدد معها الأمن الاجتماعى ويخلق حالة غضب داخل مجتمعات العمل. وهو ما يعنى ثغرة استخباراتية محتملة، لأن من يتحكم فى هذا السوق يتحكم فى مفاصل الدول. فالاستحواذ على سوق العمل يؤثر بعمق على مفاصل الدولة عبر التأثير على الاستقرار الوظيفى والإنتاجية، وتغيير المشهد الاقتصادى، ودفع الابتكار، والضغط على السياسات العامة، وتحدى الحوكمة (خاصة فى قطاعات حيوية)، مما يؤثر على التنمية المستدامة وقدرة الدولة على تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية.ليثور السؤال الكامن فى عقول أغلب سكان العالم العربى لماذا تتسع الفجوات الاقتصادية بين الدول الغنية والفقيرة فى الوطن العربى الكبير؟ وهو ما سنتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.
رئيس المنتدى الإستراتيجى للتنمية والسلام