رجال لم يعرفوا المستحيل.. ذكريات حرب أكتوبر ٧٣
فى حرب أكتوبر المجيدة عام ١٩٧٣، كان هناك رجال لا يعرفهم التاريخ إلا بالبطولات التى لم تُروَ.. رجال عاشوا خلف خطوط العدو ١٦٦ يوما، فى صمتٍ تام فى قلب الخطر. إنهم أبطال المجموعة “قمر” بقيادة النقيب «عادل فودة» أحد أجرأ ضباط المخابرات الحربية المصرية. رجال لم يعرفوا المستحيل، ولم يطلبوا شهرة أو مجدا، بل كان كل ما أرادوه: أن تُرفع راية مصر بالنصر والعزة. مهمتهم: العمل خلف خطوط العدو، تنفيذ عمليات نوعية، وجمع معلومات دقيقة عن تحركات الجيش الإسرائيلى. كانوا ينامون على الرمال، يعيشون على قطرات الماء، ويتواصلون مع القيادة بصمتٍ. لكن فى منتصف الحرب حدث ما لم يكن فى الحسبان.. انقطع الاتصال بمجموعة أخرى تعمل خلف خطوط العدو. صدرت الأوامر لعادل فودة بالعودة فورا: «ارجعوا.. الوضع أصبح خطيرا جدا»، لكن البطل رفض أن يترك رفاقه، وجاء رده الذى خُلد فى تاريخ المخابرات المصرية: «لن نعود قبل أن نُنقذهم، ولن نغادر أرض العدو إلا بعد إتمام المهمة، مهما كلّفنا الأمر». انطلق فودة ورجاله فى عمق الصحراء، وسط الخطر والموت، حتى عثروا على المجموعة المفقودة بقيادة النقيب أسامة المندوه والرقيب فتحى عبدالهادى، وأنقذوهم بعد معركة صامتة خلف خطوط العدو. ولم تتوقف بطولاتهم: خلال تنفيذ مهامهم، لاحظ النقيب عادل فودة طائرات أمريكية ضخمة تهبط فى مواقع العدو وتنقل معدات ثقيلة. أرسل بلاغا عاجلا للقيادة المصرية، وكان هو أول إنذار عن عملية «نيكل غراس»، أكبر جسر جوى أمريكى فى التاريخ أطلقه الرئيس ريتشارد نيكسون لإنقاذ إسرائيل من الهزيمة. تقرير فودة غيّر مجرى الحرب، وأثبت أن عيون الأبطال فى الظل كانت تحرس النصر قبل أن يُعلن. وبعد ١٦٦ يوما من العمل خلف خطوط العدو، قرر الأبطال العودة إلى أرض الوطن.. لكن طريق العودة لم يكن أقل خطرا من المهمة نفسها. فقد واجهوا كمائن إسرائيلية ودوريات مسلحة منتشرة فى كل اتجاه، إلا أنهم تخفّوا ببراعة مذهلة، وتسلّلوا وسط العدو فى صمتٍ تام، يفلتون من فخٍ إلى آخر، حتى عبروا الحدود ووصلوا إلى الوطن سالمين. كانت لحظة لا تُصدق: حالة انبهار فى صفوف الجيش المصرى، وحتى العدو الإسرائيلى نفسه اعتبرها صدمة، كيف أمكن لهؤلاء الرجال أن يمكثوا كل تلك المدة خلف خطوطه ويعودوا سالمين.
استقبلهم المشير أحمد إسماعيل وزير الحربية بنفسه، وكرّمهم الرئيس أنور السادات، تقديرا لشجاعتهم الفائقة وتضحياتهم الخالدة. منح النقيب عادل فودة وسام النجمة العسكرية، وهو أرفع وسام فى الجمهورية، كما منح الرقيب السويفى يوسف والرقيب محمود سالم سعدة نوط الشجاعة من الدرجة الأولى، تقديرا لصمودهم وبسالتهم خلف خطوط العدو. أبطال المجموعة “قمر”: النقيب عادل فودة، قائد المجموعة والرقيب السويفى يوسف والرقيب محمود سالم سعده، والمجموعة التى قاموا بإنقاذها: النقيب أسامة المندوه والرقيب فتحى عبدالهادى. كانت لحظة استقبالهم أمام المشير أحمد إسماعيل لحظة خالدة، دموع فرح، وانحناءة احترام لأبطال لم يعرفوا الخوف، وعادوا بعد أن صنعوا ملحمة لا يعرفها إلا من عاشها فى صمتٍ خلف الخطوط. هؤلاء الرجال لم يبحثوا عن الأضواء، لكنهم صنعوا بها وطنا من نور.
وأخيراً، كاتب هذه السطور كان من بين أحدث الدفعات التى تخرجت في الكلية الفنية العسكرية، وشاركت فى حرب أكتوبر ٧٣، وكانت خدمته فى إحدى تشكيلات القوات الجوية، وأبلى بلاء حسناً فى هذه الحرب.
محافظ المنوفية الأسبق