بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الثقة المحطمة، والسياسة الكندية الجديدة

 

يقدم تقرير " Broken Trust: Managing an Unreliable Ally " أو الثقة المحطمة: إدارة حليف غير موثوق به، الصادر في الأول من أبريل 2025 لمجلة السياسة الكندية ، تحليلًا بالغ الأهمية للتحديات التي تواجه كندا. أعد التقرير نخبة من الخبراء من كلية نورمان باترسون للشؤون الدولية (NPSIA) بجامعة كارلتون، والمعهد الكندي للشؤون العالمية (CGAI)، مستهلين إياه بمقولة ملهمة لوينستون تشرشل: "لقد يكون البناء مهمةً بطيئةً وشاقةً تستغرق سنوات. أما الهدم فقد يكون فعلًا طائشًا ليوم واحد".

يستهل التقرير تحليله بمراجعة موجزة للعلاقات الكندية-الأمريكية التاريخية، مؤكدًا على الروابط المتينة التي نسجتها خيوط التاريخ المشترك، والقيم والمصالح المتقاربة، والتبادل التجاري المزدهر، والصداقة العميقة. وقد تجسدت هذه الروابط في مؤسسات ثنائية عريقة، مثل لجنة الحدود الدولية، وقيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية (NORAD)، واللجنة الدولية المشتركة، واتفاقية التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة، وإعلان الحدود الذكية. ويعكس قرار الكنديين الجريء عام 1988 بإزالة الحواجز التجارية ثقة راسخة بأن كلا البلدين يدركان قوتهما وازدهارهما المشترك. بيد أن التقرير يؤكد أن هذا الافتراض الرومانسي قد اهتز بعنف في 20 يناير 2025، مع وصول إدارة جديدة في الولايات المتحدة تبنت ضم كندا كسياسة رسمية، مما أثار موجة من القلق في أوتاوا.

يُحسب للتقرير تشخيصه الدقيق لتآكل الثقة كعملية تدريجية تتغذى على سلسلة من الانتهاكات للوعود المتبادلة، وتغير الأولويات الأمريكية الأحادية الجانب، وتغليب المصالح الذاتية على المنافع المشتركة. ويوضح التقرير كيف أن هذا السلوك المتقلب لا يقتصر على الساحة الدبلوماسية، بل يمتد ليشمل المجالات الحيوية للاقتصاد والأمن، مما يخلق بيئة سياسية يسودها التردد والحذر في التعامل مع واشنطن. ويشير التقرير أيضاإلى أن الافتراضات القديمة حول متانة التحالف بين كندا وأمريكا لم تعد صالحة.

علاوة على ذلك، يثير التقرير تساؤلات جوهرية حول التوازن الدقيق الذي يجب على كندا تحقيقه بين الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الحليف غير الموثوق به وتجنب الوقوع في براثن الاعتماد المفرط عليه. إن فكرة "التعامل البراجماتي المشوب بالشك" التي يطرحها التقرير تبدو منطقية من الناحية النظرية، لكن تطبيقها العملي قد يكون محفوفًا بالتحديات الجمة، خاصة في ظل الضغوط الداخلية والخارجية المتضاربة. فهل يمكن لدولة أن تحافظ على "مسافة آمنة" مع جار عملاق وقوي دون المخاطرة بعزلتها على الساحة الدولية أو إثارة عداوته؟

العجيب في الأمر، أن بعد صدور هذا التقرير بأسابيع قليلة، استضافالرئيس دونالد ترامب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في البيت الأبيض يوم 6 مايو 2025، في ظلّ توتراتٍ تاريخية بين البلدين. قال ترامب: "بصفتي مطورًا عقاريًا، أتمنى من أعماق قلبي، أن أرى الولايات المتحدة تمتد من ساحل الخليج إلى الدائرة القطبية الشمالية". بدوره، استنكر كارني كلام ترامب، قائلاً: يجب أن تعرف "أن هناك أماكن ليست للبيع أبدًا".لاحقًا، وعلى ذمة جريدة الجارديان البريطانية، طرح ترامب الفكرة مجددًا، قائلًا لكارني ووسائل الإعلام الحاضرة: "أقول، لا تقل أبدًا" فرد عليه كارني بهدوء: "أبدًا"خمسة مرات متتالية.

ما بين الموقفين، تظهر علامات انعدام الثقة. فهناك من يغلق أبواب الأمل بسلاسل الابتزاز، يكتم نداء الصداقة بقبضة القوة، يضغط على الحليف بقدسية المشترك، يهدد الجار بسلاح المصير. هل سيتحول التاريخ بين البلدين الى مجرد صفقة،هل تتآكل حدود الجغرافيا أمامتهديدات التطوير العقاري. كيف تخرج كندا من هذا النفق المُظلم ؟.قال الرئيس الأمريكى الراحل جون كنيدي في خطابه أمام البرلمان الكندي في أوتاوا يوم 17 مايو 1961: "جعلتنا الجغرافيا جيرانًا. وجعلنا التاريخ أصدقاء. وجعلنا الاقتصاد شركاء. وجعلتنا الضرورة حلفاء. أولئك الذين جمعتهم الطبيعة، فلا يفرقهم إنسان."