بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أرواح الأبرياء فى ذمة الحكومة

بوابة الوفد الإلكترونية

أصدقاء مهندس حضروا جنازته بدل فرحه.. وزوجة آخر: «قالى فيه حريق.. وانقطع الاتصال»

 

فى لحظة صمت وسط صخب الحياة اليومية، تحولت مكاتب العمل إلى مصيدة موت، وارتفعت أرواح أربعة رجال كانوا يؤدون عملهم بأمانة وإخلاص، ليُسجَّلوا فى ذاكرة الوطن كشهداء الواجب.

فى قلب القاهرة، وتحديدًا داخل مبنى سنترال رمسيس، اندلعت النيران فجأة، وسرعان ما تمددت ألسنتها لتلتهم الجدران والأوراق، وتحاصر أربعة موظفين لم يتمكنوا من النجاة، فاختنقوا بالدخان حتى لفظوا أنفاسهم الأخيرة، وسط غياب أى مخرج أو وسيلة إنقاذ.

الضحايا الأربعة هم: المهندس وائل مرزوق، المهندس محمد طلعت، المهندس أحمد الدرس، المهندس أحمد رجب بيومى.

كشفت التحقيقات الأولية عن تفاصيل الحادث، بينما خيمت مشاهد الحزن والأسى على أسر الضحايا وزملائهم وأصدقائهم، ممن لم يصدقوا أن اللقاء الأخير كان دون وداع.

فى قرية تلوانة التابعة لمركز الباجور بمحافظة المنوفية، عمت حالة من الحزن فور إعلان وفاة المهندس أحمد الدرس، حيث كتب الأهالى عبارات نعى مؤثرة، وأكدوا أنهم ينتظرون وصول جثمانه استعدادًا لتشييعه إلى مثواه الأخير فى مسقط رأسه. وروت أسرته، تفاصيل صادمة، إذ أكدوا أنه تواصل مع أصدقائه فى الليلة السابقة للحادث، وكأنه يودعهم. وأضافوا: «كان هيخطب، وكلم صحابه إمبارح وقالهم إنه خلاص هيخطب، وبعدها عرفوا موضوع الحريق.. ربنا يرحمه». وتابعوا: «أحمد كان من أطيب وأجدع الناس.. كانوا شلة 4 صحاب، اتصل بيهم كلهم واحد واحد، وسلم عليهم وكأن قلبه حاسس، مش مصدقين اننا هنحضر جنازته بدل فرحه».

أما المهندس أحمد رجب بيومى، فقد نعاه صديق طفولته على «فيسبوك» بكلمات اختلط فيها الحب بالحسرة، ثم كتب بتأثر بالغ: «توفى إلى رحمة الله صديقى وعشرة عمرى المهندس أحمد رجب إثر حريق سنترال رمسيس، أحمد توفى وهو بيصلى.

وتابع: مش مصدق إنى بكتب رثاءك، كنا دايمًا مع بعض.. طفولة، دراسة، ضحك وجد، كنت الحضن وقت الزعل والنصيحة وقت الغلط، قلبك دايمًا طيب، من كان يحب أحمد، يدعو له بالرحمة والمغفرة».

وأما المهندس محمد طلعت، فقد نعى أحد أصدقائه بقوله: «محمد كان من دفعة 2014 فى كلية الهندسة جامعة الزقازيق، قسم اتصالات، كان هادئا، خلوقا، متعاونا مع الكل، ومحبوبا من زمايله وأساتذته».

وتابع: «كلنا مصدومون، الخبر وقع علينا كالصاعقة، محمد ما يستاهلش اللى حصل له، كان إنسان نضيف ومحترم بكل معنى الكلمة».

فى بيت يخيّم عليه الحزن، جلست زوجة المهندس وائل مرزوق، أحد ضحايا حريق سنترال رمسيس، لتستعيد تفاصيل اللحظات الأخيرة التى جمعتها بزوجها قبل أن يختنق بالدخان، ويُعثر عليه متوفيًا داخل المكتب رفقة ثلاثة من زملائه الضحايا.

قالت الزوجة المكلومة، إن آخر مرة اتصل بها كان يوم الحادث العصر وأبلغها بنشوب حريق فى المبنى وأبلغها بصعوبة خروجه بسبب الدخان الكثيف والنيران.

وتابعت أنه أبلغها بوفاة 3 من زملائه وأنه شاهدهم بإحدى الطرقات وأدخلهم للمكاتب، ورغم خطورة الموقف، حاول وائل تهدئة زوجته، والتقليل من وقع ما يحدث، فعاودت الاتصال به لاحقًا، لتكون المكالمة الأخيرة: «اتصلت بيه تانى الساعة 6، قالى إنه نزل عشان يطمنى ومَيقلقش العيال، بس الحقيقة إنه كان محاصر وسط النار، وانقطع الاتصال بعدها على طول». ومع مرور الساعات، بدأ الخوف يتحوّل إلى فزع، لم يعد وائل يرد، ولا يظهر له أثر. تقول زوجته: «فضلنا من الساعة 10 لغاية 2 بالليل بندور عليه فى المستشفيات والإسعاف، لكن مكنش ليه أى أثر، لا فى القوائم ولا فى الطوارئ». ثم جاءت النهاية المفجعة: «رجال المطافى لقوه هو وزملاؤه التلاتة متوفين فى نفس الأوضة، ونزلوهم لكنهم كانوا ماتوا».

أصعب ما فى الحديث، حين وصلت الزوجة إلى الأبناء: «إحنا معانا ولدين، واحد فى تالتة ثانوى، والتانى فى تالتة إعدادى».

أبٌ رحل فجأة، وترك طفلين فى مرحلة دقيقة من حياتهما، كانا ينتظرانه فى المساء، فغاب دون وداع. ما رواه أقاربه وزوجته يُظهر أن وائل لم يفكر فى الهرب، بل بدأ بإنقاذ زملائه الثلاثة الذين كانوا ممددين على الأرض، وأدخلهم المكتب، بقى معهم حتى لفظوا أنفاسهم جميعًا داخل الغرفة ذاتها، وكأن القدر اختار أن يرحلوا سويًا. رحل الرجال الأربعة فى صمت، لكن أسماؤهم ستظل حاضرة فى وجدان كل من عرفهم.