فخ ثوكيديدس: مستقبل العلاقات بين أمريكا والصين
في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين لفرض واقع إقتصادي جديد باستخدام التعريفات الجمركية، يبرز مفهوم "فخ ثوكيديدس" كتحذير تاريخي مدوٍ. هذا المصطلح، الذي استُلهم من المؤرخ الأثيني القديم ثوكيديدس وصاغه عالم السياسة الأمريكي جراهام أليسون، يشير إلى الاضطراب الطبيعي الحتمي والذي يحدث عندما تهدد قوة صاعدة بإزاحة قوة مسيطرة. تقدم لنا هذه العدسة القاتمة فرصة لفهم ديناميكيات القوة عبر التاريخ. إذ إن نمو قوة دولة وتأثيرها المتزايد يثير قلق وخوف القوة المهيمنة، مما يخلق بيئة متزايدة من عدم الثقة وسوء الفهم، وفي نهاية المطاف، الصراع المسلح.
وقد قام أليسون بتوسيع نطاق هذا المفهوم في كتابه " الاتجاه نحو الحرب: هل تستطيع أمريكا والصين الإفلات من فخ ثوكيديدس؟" والصادر فى عام 2017. في الجزء الأول (صعود الصين)، يوضح أليسون الصعود الكبير للصين خلال العقود الأخيرة، لتنافس أمريكا كقوة عظمى في كافة المجالات. انعكس هذا التطور في إرادة الصين لتغيير النظام العالمي الذي أسسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. تستخدم الصين أدوات متنوعة، اقتصادية وناعمة، لتحقيق أهدافها الجيوسياسية وتوسيع نفوذها عالميًا، مما يؤثر حتى على حلفاء أمريكا في آسيا.
في الجزء الثاني (درس من التاريخ)، يستعرض أليسون تاريخ الحرب البيلوبونيسية (استمرت سبعة وعشرين عامًا) التي دمرت اليونان القديمة. ويؤكد أليسون أنه على مدار الخمسمائة عام الماضية، تكررت هذه الظروف ست عشرة مرة، اندلعت الحرب في اثنتي عشرة منها. واليوم، مع اقتراب الصين التي لا يمكن إيقافها من أمريكا التي لا تتزعزع، ووعد كل من شي جين بينغ ودونالد ترامب بجعل بلديهما "عظيمين مرة أخرى"، تبدو الحالة السابعة عشرة قريبة. ما لم تكن الصين مستعدة لتقليص طموحاتها أو تقبل واشنطن بأن تصبح القوة الثانية في المحيط الهادئ.
يوضح أليسون الخطة الصينية في الجزء الثالث (عاصفةٌ مُتجمعة)، والتي ترتكز على عدةأهداف وطنية رئيسية: استعادة الهيمنة الآسيوية؛ و ترسيخ السيطرة على أراضي "الصين الكبرى"، بما فيها تايوان؛ وتوسيع نفوذها الدولي. كما يصف الأجندة الصينية لتحقيق هذه الأهداف: دعم الحزب الشيوعي الصيني، واستعادة رسالته الوطنية؛ وإحياء القومية والوطنية الصينية لغرس الفخر بالانتماء إلى الصين؛ وهندسة ثورة اقتصادية ثالثة؛ وإعادة تنظيم الجيش الصيني وإعادة بنائه ليتمكن من "القتال والنصر".
إن تجنب الصراع في المستقبل ليس مجرد مصلحة للولايات المتحدة والصين، فقط، بل هو ضرورة حتمية للسلام والاستقرار لكل شعوب العالم. يبقى السؤال: هل ستتمكن القيادات في واشنطن وبكين من استخلاص العبر من التاريخ وتجاوز الوقوع في فخ النهاية، هل ترتفع رايات الموت فوق أنقاض الحياة، هل ينتصر منطق العقل على صوت البارود، هل نقايض دماء الضحايا بجماجم الأبرياء ؟. ختامًا، يقول ليوتولستوي الروائي الروسي الشهير "قبل أن تشن الحرب، عليك أن تخنق صوت الضمير بداخلك".