لقاء تاريخى بين الملك فيصل والرئيس الفرنسى ديجول
السطور التالية تسرد اللقاء التاريخى الذى تم بين الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله والرئيس الفرنسى شارل ديجول قبيل حرب يونيه ١٩٦٧. ويروى د. معروف الدواليبى (رئيس وزراء سوريا الأسبق عام ١٩٥٣، ومستشار الملك فيصل) يرحمه الله من مذكراته عن هذا اللقاء: أنا لى تجربة مع الجنرال ديجول من يوم قضية استقلال سوريا، فمع أنه كان محاطاً بعناصر يهودية صهيونية، فديجول عندما يعرف الحقيقة يغير مواقفه، ولذلك كنت حريصاً على لقاء الملك فيصل به، وأصررت على ذلك، وكانت هناك رواسب قديمة لدى الملك فيصل، وموقف سلبى من الجنرال ديجول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع إصرارى على أن يتم هذا اللقاء، فقد تم فى اليوم الأول من يونيه ١٩٦٧، فى قصر الإليزيه فى باريس، فرنسا، وكان مع الملك فيصل الأمير سلطان ود. رشاد فرعون، وحضر رئيس وزراء فرنسا السيد جورج بومبيدو. بدأ الاجتماع بين الملك فيصل والرئيس ديجول ومترجم، وكان الحوار كالتالى:
قال ديجول: يا جلالة الملك، يتحدث الناس بلهجة معارضة، إنكم تريدون أن تقذفوا بإسرائيل الى البحر، وإسرائيل هذه أصبحت أمرًا واقعًا، ولا يقبل احد فى العالم رفض هذا الأمر الواقع، فأجاب الملك فيصل رحمه الله: يا فخامة الرئيس، أنا بستغرب من كلامك هذا، أن هتلر احتل باريس، وأصبح احتلاله أمرًا واقعًا، وكل فرنسا استسلمت ماعدا أنت، انسحبت مع الجيش الانجليزى، وبقيت تناضل وتعمل لمقاومة الأمر الواقع حتى تغلبت عليه، فلا أنت رضخت للأمر الواقع، ولا شعبك رضخ، فأنا بستغرب منك الآن، أن تطلب منى ان أرضى بالأمر الواقع، والويل يا فخامة الرئيس للضعيف إذا احتله القوى، وراح يطالب بالمبدأ الذهبى الذى يتبعه الجنرال ديجول وهو: «أن الإحتلال إذا أصبح واقعًا فقد أصبح مشروعاً»، ودُهش ديجول من سرعة بديهة الملك فيصل رحمه الله، فغير لهجته وقال: يا جلالة الملك، يقول اليهود إن فلسطين وطنهم الأصلى، وجدهم الأعلى إسرائيل ولد هناك، فأجاب الملك فيصل: فخامة الرئيس أنا معجب بك لأنك متدين ومؤمن بدينك، وأنت بلا شك تقرأ الكتاب المقدس، هل قرأت أن اليهود جاءوا من مصر غزاة؟، أحرقوا المدن وقتلوا الرجال والنساء والأطفال، فكيف تقول إن فلسطين بلدهم، وهى للكنعانيين العرب، واليهود مستعمرون، وأنت تريد أن تعيد الاستعمار الذى حققته إسرائيل قبل أربعة آلاف سنة، فلماذا لا تعيد استعمار روما لفرنسا، الذى كان قبل ثلاثة آلاف سنة فقط؟، أنغير خريطة العالم لمصلحة اليهود، ولا نغيرها لمصلحة روما؟، ونحن العرب أمضينا مائتى سنة فى جنوب فرنسا، فى حين لم يمكث اليهود فى فلسطين سوى سبعين سنة، ثم نفيوا بعدها. قال ديجول: ولكنهم يقولون إن أباهم ولد فيها، أجاب الفيصل رحمه الله: غريب، عندك الآن مائة وخمسون سفارة فى باريس، وأكثر السفراء تولد لهم أطفال فى باريس، فلو صار هؤلاء الأطفال رؤساء دول، وجاءوا يطالبون بحق الولادة فى باريس، فمسكينة باريس، لا أدرى لمن ستكون؟، سكت ديجول، وضرب الجرس مستدعيًا «بومبيدو» رئيس وزرائه، وكان جالسًا مع الأمير سلطان ود.رشاد فرعون فى الخارج، وقال ديجول: الآن فهمت القضية الفلسطينية، أوقفوا السلاح المصدر لإسرائيل، وكانت إسرائيل يومها تحارب بأسلحة فرنسية وليست أمريكية. يقول الدواليبى: واستقبلنا الملك فيصل فى الظهران بعد رجوعه من هذه المقابلة، وفى صباح اليوم التالى ونحن فى الظهران، استدعى الملك فيصل رئيس شركة التابلاين الأمريكية وكنت حاضرًا وقال له: إن أى نقطة بترول تذهب إلى إسرائيل، ستجعلنى أقطع البترول عنكم، ولما علم بعد ذلك أن أمريكا أرسلت مساعدة لإسرائيل قطع عنها البترول، وقامت المظاهرات فى أمريكا، ووقف الناس مصطفين أمام محطات الوقود، وهتف المتظاهرون: «نريد البترول ولا نريد إسرائيل». لهذا قتل الملك فيصل رحمه الله، ونقبله شهيدًا من عظماء الأمة العربية والإسلامية.
وأخيرًا، يعتبر هذا الحوار التاريخى درس فى السياسة والدبلوماسية العالمية، ويعد الملك فيصل بن عبد العزيز ملك السعودية من أعظم وأبرز قادة العالم الإسلامى والعربى على مدار التاريخ.
محافظ المنوفية الأسبق