بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

إعلام عبدالناصر

 

تنسب إلى الرئيس السيسى عبارة تقول إن عبدالناصر كان محظوظاً بإعلامه.. والعبارة صحيحة وتحمل فى طياتها اعترافاً بهزال إعلام الدولة فى هذه الأيام وشوقاً لإنقاذ هذا الإعلام وعودته إلى موقع الريادة عربياً.

هزال وتدهور الإعلام فى مصر - الخاص والعام على السواء - حقيقة لا يجادل فى صحتها من له علم ببديهيات النشاط الإعلامى.

ولو قارنا «الوسائل» التى كانت متاحة للإعلاميين أيام عبدالناصر بما هو متاح حالياً فى كل المجالات المتعلقة بالنشاط الإعلامى لأدركنا فداحة الانحطاط.. ففى عهد عبدالناصر كانت الوسائل «تسجيل وبث ومونتاج وتصوير.. إلخ» كانت هذه الوسائل «بدائية» مقارنة بالإمكانات الهائلة المتاحة هذه الأيام والتى تمكن الإعلامى بجهد معقول من تقديم المنتج الإعلامى بسرعة مذهلة وإلى أبعد نقطة على الكرة الأرضية وبجودة عالية صوتاً وصورة.

العلة الحقيقية فى «الإعلاميين» فالعنصر البشرى فى النشاط الإعلامى هو الأساس فى نجاح أو فشل الرسالة الإعلامية يضاف إلى ذلك توفير المناخ الذى يوفر للإعلامى الفرص الحقيقية للإبداع من تدفق حر للأخبار إلى إتاحة الفرص الحقيقية لتعدد الآراء.

وقد حقق إعلام عبدالناصر نجاحات مهمة حتى جاءت هزيمة 1967 لتصيب إعلام عبدالناصر فى مقتل بفقدان الجماهير «الثقة» فيما يقدمه هذا الإعلام عندما اكتشفت الجماهير عدم مصداقية هذا الإعلام خلال أيام الهزيمة.

قبل هزيمة 1967 كانت قبضة الرقابة الحديدية على الأخبار السياسية تحرم الإعلام من تقديم الحقيقة، وحاول عبدالناصر تعويض هذا بالسماح بحرية بنسبة عالية فى الموضوعات الثقافية والفنية، هذه الحرية التى جذبت قطاعات معقولة من المثقفين، ويكفى نموذجاً لهذه الحرية أن رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ والتى منعت الرقابة نشرها فى مصر، قدمتها إذاعة صوت العرب فى مسلسل إذاعى.

ولعل موقف عبدالناصر يتضح أكثر من «الإعلام» فى موقف كنت شاهداً عليه ومشاركاً فيه، حدث هذا قبيل هزيمة 1967، أبلغنى فتحى الديب وكان مسئولاً عن الشئون العربية أن عبدالناصر يرى أن «صوت العرب» أدى دوراً رائعاً خلال الفترة السابقة واستخدم نوعية الخطاب التى تتناسب مع ظروف المنطقة، حيث كانت قوات الاستعمار تحتل العديد من البلاد العربية. وأن الدول العربية بعد رحيل قوات الاحتلال يحتاج جيل الشباب بها إلى خطاب إعلامى مختلف يخاطب عقله، ويقدم له الخبر الصحيح ويسمح بالحوار الحر بين مختلف التوجهات الفكرية.

وهو -أى عبدالناصر- طلب اختيار أحد الإعلاميين لتكليفه بتنفيذ هذا المشروع وتم تكليفى بأن أباشر فوراً بالتنفيذ وتسجيل برامج أسبوع كامل بكل تفاصيله وكان يذاع على الهواء.

اخترت فريق العمل وظللنا نعمل لأكثر من ستة شهور حتى توصلنا إلى الصيغة التى نعتقد أنها تحقق الهدف.. ومن البرامج التى سجلناها ما يتحدث عن أخطاء الحكم، وأرسلنا التسجيلات إلى عبدالناصر، وبعد عدة أسابيع أبلغنى الأستاذ فتحى الديب أن عبدالناصر وافق على كل ما سمعه - ومنه نقد مباشر - ويطلب الاستمرار فى نفس الطريق، واخترت اسم «الطليعة العربية» ليكون اسم الإذاعة الجديدة وسجلنا اللحن المميز وهو مطلع أغنية عبدالوهاب «كل أخ عربى أخى» وأطلقنا موجة تجريبية وتحدد عيد الثورة عام 1967 لإطلاق الإذاعة الجديدة.

وجاءت هزيمة 1967 لتجهض هذه التجربة.. وللحديث بقية.