بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الفساد الأعظم

 

لا ينكر منصف الجهد الذي تبذله «الرقابة الادارية» في حربها ضد الفساد، غير أن هذا المجهود المقدر والمشكور تنقصه التفاتة جادة لوضع حلول جذرية لوضع حد لعمليات فساد كبرى تتم تحت مظلة من شرعية زائفة قام ترزية القوانين بتفصيلها سواء في قوانين خاصة ببعض الهيئات أو في اللوائح الداخلية للبعض  الآخر.

وهذه القوانين التي يتم تفصيلها لمنح العاملين بمؤسسات وهيئات معينة تسمح بنهب المليارات من المال العام تحت مسميات عديدة، وفي هيئات ومؤسسات ووزارات معينة، ولعل ما ينشر هذه الأيام حول هدايا الأهرام يكشف عن إطلاق يد قيادات مؤسسات وهيئات معينة لتبعثر مئات الملايين من المال العام محتمية بلوائح تسمح لها بإهدار المليارات من المال العام.

والأهرام ليست الحالة الوحيدة في هذا المجال، فقد تم اصدار قوانين خاصة للعاملين في بعض الوزارات والهيئات والمؤسسات تمنح القيادات العليا فيها سلطات مطلقة في تحديد الأجور والمكافآت والبدلات التي لها عشرات المسميات لتصل مرتبات البعض في هذه الوزارات والهيئات والمؤسسات الى أرقام تدور حول المليون جنيه شهريا - وأكرر مليون جنيه شهرياً-، ولو أضفنا الى هذا المليون مكافآت للبعض من «الصناديق الخاصة» فقد تصل مرتبات البعض الي أرقام تبدأ  بالمليون شهريا.

يحدث هذا في بلد تدور فيه أرقام مرتبات العاملين في الدولة حول بضعة آلاف شهرياً، ولا تتجاوز لصغار العاملين بضع مئات من الجنيهات شهرياً.

هذا الخلل البشع بدأت موجته الأولى أيام الانفتاح العشوائي، فقد ابتكرت القيادة السياسية هذا النموذج لتكون تلك الهيئات والمؤسسات والوزارات هي الوسيلة التي يتم بها منح الملايين للأبناء والمحاسيب ومن تريد القيادة السياسية مكافأته بعيدا عن «قيود» القوانين الوظيفية.

ومن أبرز الوزارات في هذا المجال ـ حسب علمي ـ وزارة البترول والهيئات التابعة لها، وشركات مثل الشركة المصرية للأقمار الصناعية «نايل سات» ويكفي مثلا أن نقرأ ما نشرته الصحف عن مكافآت تم منحها لأعضاء مجلس ادارة النايل سات باعتبارها مستحقات هؤلاء الأعضاء في الأرباح وتجاوزت هذه المكافآت للبعض منهم عدة ملايين من الجنيهات في عام! وتم صرفها لحضراتهم بالدولار! ويزيد من بشاعة الفساد أن بعض هؤلاء ليست لهم أية خبرة فنية في مجال نشاط الشركة بل إنني أزعم ان بعضهم لا يعرف عن نشاط الشركة أكثر من اسم الشركة ومقرها!

هذه الحالات هي «الفساد الأعظم» ليس فقط لأنها تسمح لبعض المحظوظين بالحصول على الملايين من المال العام بدون أي جهد.

أما النتيجة الأخطر من إهدار المليارات من المال العام فهي تداول أخبار هذه التصرفات وانتشارها بين الملايين من الجماهير التي لا تجد ما يسد رمقها.

الجماهير تتحدث عن هذه الحالات الشاذة باعتبارها رشاوى تمنحها القيادة السياسية للمحاسيب، وهذا الشعور هو الكارثة الحقيقية، لأن هذا الشعور يجعل الجماهير على استعداد لتصديق القوى المعادية للوطن التي تنسب مثل هذه التصرفات الى القيادة السياسية بمنطق أن هذه القيادة تعرف كل ما يدور في البلد وأن استمرار هذه الأوضاع الشاذة لا يمكن أن يتم دون رضاها بل وتحت حمايتها.

ولأنني أعلم أن القيادة السياسية ترفض وبحسم مثل هذه الأوضاع فإنني اقترح أن يتم العلاج السريع لمثل هذه الأوضاع فإما أن يتم تعديل القوانين الخاصة  واللوائح الداخلية لمنع هذا الفساد الأكبر، وإما أن تتاح الفرصة لكل المواطنين لشغل هذه المواقع.

وليس صعباً أن نطبق هذا الاقتراح الأخير على هذا النحو.

1- يحظر على الوزير أو المسئول تعيين أي موظف في هذه المواقع ويتم الاعلان عن مسابقات لشغل هذه الوظائف إعلانا واضحا وبطريقة تسمح لجميع المواطنين بالتعرف على المواصفات والمؤهلات المطلوبة.

2ـ تتلقى لجنة خاصة تضم خبراء في المجال المطلوب توظيف عاملين به، وتفحص هذه اللجنة الطلبات التي تلقتها وتنشر بوسائل النشر العام أسماء من تنطبق عليهم الشروط. وطريقة اختيار العدد المطلوب منهم.

3ـ تنشر اللجنة أسماء من توفرت فيهم الشروط المطلوبة وتفتح باب التظلمات من قرارها لمدة اسبوعين يتقدم خلالهما المتظلمون بمستنداتهم الى لجنة أعلى يتم تشكيلها لفحص التظلمات واتخاذ القرار الذي تطمئن اليه... ويبقى للمتظلمين الذين رفضت تظلماتهم فرصة اللجوء الى القضاء لمن يريد منهم أن يواصل تظلمه.

4ـ يصدر قرار التعيين من الجهة المختصة لمن اختارتهم اللجنة وأيدتهم لجنة التظلمات. ويحظر علي أي مسئول تعيين أي شخص آخر.

بهذا نضمن العدالة التي ننشدها ونبرئ القيادة السياسية من صمتها أو رضاها عن مثل هذه الأوضاع الظالمة والشاذة.

فهل تتحرك الرقابة الادارية لتتبنى مثل هذا الاقتراح أو أي اقتراح بديل يحقق العدالة ويغلق باب «الفساد الأعظم»؟