أرباح وخسائر السيد «نيوتن»
قرار تأميم قناة السويس قرار خاطئ كلف مصر خسائر مادية فادحة وعددا هائلا من الضحايا في الحروب التي كان هذا القرار سبباً في شنها علي مصر، هذا هو رأي السيد «نيوتن» الذي نشره بصحيفة «المصري اليوم» وفي تأكيده علي فداحة هذه الخسائر المادية حشد سيادته كماً هائلاً من الأرقام التي يثبت بها وجهة نظره، وأكد سيادته ان مصر كانت ستستفيد من القناة بعد بضع سنوات عندما تنتهي مدة امتياز الشركة الأجنبية.
في مقابل وجهة نظر السيد «نيوتن» ومن يتفق معه نشرت العديد من مراكز الأبحاث السياسية المحترمة تقارير تؤكد ان قرار تأميم السويس من القرارات التي تحدث تحولات تاريخية بالغة الأهمية ليس في المجال الوطني المصري فحسب بل في الحركة السياسية الإقليمية والعالمية، وأن هذا القرار والنجاح في تنفيذه كان قراراً ملهما ومشجعاً لكل قوي التحرر في العالم في هذا الوقت الذي كانت دول كثيرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تعاني من احتلال قوات أجنبية أراضيها وكانت حركات التحرر بحاجة ماسة لقوة معنوية ونموذج لمقاومة الاستعمار يتحدي قوة وغطرسة هذا الاستعمار.
ويكفي أن أذكر هنا ان قوى التحرر في العالم كله سبق أن استبشرت بقرار مماثل عندما أعلن الدكتور «مصدق» تأميم بترول إيران يومها تضافرت كل قوي الاستعمار لتجهض هذا القرار لتستعيد هيبتها وتبقي الشعوب مشلولة بالخوف والرهبة من قوة الدول المستعمِرة (بكسر الميم) وبالفعل نجحت قوي الاستعمار فى إجهاض قرار «مصدق» بتأميم بترول إيران ووهنت قوة التحرير.
وجاء قرار تأميم قناة السويس والنجاح في التصدي لكل محاولات قوي الاستعمار فكان العمل الملهم لقوة التحرر العالمي.
هذا الجانب المعنوي هو النتيجة الرائعة علي الصعيد السياسي المحلي والإقليمي والدولي، ومثل هذا النجاح السياسي والمعنوي تتحقق علي أساسه مكاسب مادية تفوق ملايين المرات ما حشده السيد «نيوتن» من أرقام الخسائر المادية التي نتجت- حسب تقديره- عن قرار التأميم.
وهنا أسأل السيد «نيوتن»: هل تتصور ان انجلترا وفرنسا وإسرائيل كانت تفكر في شن حرب علي مصر لمجرد استرداد الشركة الأجنبية لقناة السويس آلاف أو ملايين الجنيهات في السنوات الاثنتي عشرة المتبقية علي انتهاء امتيازها؟ وهل يتصور سيادته أن تخاطر هذه الدول بخوض حرب تكلفها المليارات، فضلاً عن الخسائر المحتملة في الأرواح لمجرد استرداد قناة تدر بضعة ملايين؟! هذه الدول يا سيد «نيوتن» لا يتخذ قرارات الحرب فيها حاكم مهما بلغت قوته لكن مثل هذه القرارات تتخذها مؤسسات الدولة التي تدرس بكل دقة البدائل لتحقيق أهدافها، ومعني هذا ان الدول الثلاث التي شنت الحرب علي مصر عقاباً لها علي تأميم القناة رأت ان خسائرها بفقد السيطرة علي القناة أكبر بملايين المرات من أية عائدات مادية تحققها الشركة الأجنبية وأن هذه الخسائر لقوي الاستعمار تستحق مغامرة الحرب وإنفاق المليارات لاسترداد السيطرة علي القناة.
وحتي نكتشف مدي أهمية السيطرة علي الممرات المائية الحاكمة لحركة التجارة الدولية فيكفي أن نري تشبث الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة علي «قناة بنما» حتي الآن واصرار انجلترا علي السيطرة علي جبل طارق الأرض الإسبانية، هذا الاصرار العنيد من كلتا الدولتين علي الاستمرار في السيطرة علي الموقعين يثبت مدي الأهمية القصوي للسيطرة علي قناة السويس وهي الممر الملاحي الأهم في مجال حركة النقل البحري في العالم.
وقد كشفت الدول التي شنت الحرب علي مصر عن خطط لمنع مصر من السيطرة علي القناة بعد نهاية مدة الامتياز الممنوحة للشركة الأجنبية.
وتقضي هذه الخطط باستصدار قرارات من منظمات دولية بتشكيل إدارة دولية للقناة بعد انتهاء فترة الامتياز بحجة ضمان حرية الملاحة في هذا الممر المائي الهام، ولعل من أسباب التحرك السريع والمفاجئ بالتأميم، لعله كان لاستباق أي تحرك علي هذا النحو.
أخيراً، فقد كانت الثمرة السياسية لتأميم قناة السويس أكثر من رائعة فقد أصبحت مصر مصدر الإلهام لقوي التحرر في العالم وفي إفريقيا بشكل خاص، وقد تحققت لمصر أرباح مادية تفوق ملايين المرات عائدات القناة باستثمار مكانتها السياسية عربياً وإفريقياً وعالمياً.
يا سيد «نيوتن» اقرأ باهتمام كتاباتك واحترم أسلوبك في الحوار واسمح لي أن أختلف معك في «المعيار» الذي أردت أن تقيس به مقدار الربح والخسائر بأرقام مصمتة، ففي الحسابات الاقتصادية تتداخل عوامل كثيرة في مقدمتها الأمور السياسية.
وبهذا المعيار فقد كان تأميم قناة السويس من القرارات التي حققت لمصر مكاسب اقتصادية هائلة، فضلاً عن المكاسب السياسية والأدبية التي تفوق كل المكاسب الاقتصادية.