جامعة القاهرة على مفترق طرق
أتابع بتقدير بالغ معارك الدكتور جابر نصار مع قوى التخلف العلمى والدينى، وإصراره العنيد على تحقيق نقلة نوعية تنتشل جامعة القاهرة من حالة الهبوط العلمى والتشوه السلوكى الذى أخرجها لسنوات من قائمة التصنيف العالمى للجامعاتـ، وهى - أى جامعة القاهرة - التى احتلت منذ سنوات التأسيس الأولى مكانة محترمة فى التصنيف العالمى للجامعات.
فى سنوات الفوضى تصاعدت كل مظاهر التخلف التى بدأت تغزو المجتمع المصرى منذ أطلق الرئيس السادات - غفر الله له - موجات التدين الزائف ليواجه حركة الشباب الذين اعتنقوا أفكاراً يسارية والذين عارضوا سياساته.
وركزت أجهزة الأمن نشاطها لتشجيع موجات التدين هذه خاصة فى الجامعات، فهيأت لهم الفرص للسيطرة على الاتحادات الطلابية.
وأفرزت هذه التحركات ظواهر لم تألفها الجامعات المصرية من قبل مثل انتشار «النقاب» والحجاب بين الطالبات وهيئات التدريس، وطالت اللحى وأصبح الجلباب القصير منظراً مألوفاً فى ساحة الجامعات المصرية.
وكان طبيعياً أن تزداد هذه الظاهرة اتساعاً فى فترة حجم الرئيس الأسبق محمد مرسى وسيطرة الإخوان المسلمين على قمة السلطة فى مصر بمؤازرة التيارات السلفية التى تصاعد نفوذها فى تلك الفترة.
فى هذا المناخ تدهورت العملية التعليمية فى الجامعات المصرية وسادت مجتمع الجامعة ظواهر سلوكية فوضوية باسم الإسلام، ومن هذه الظواهر إقامة صلاة الجماعة فى الطرقات بمختلف الكليات وفى حدائق الجامعات.. وباسم الالتزام الدينى لم يعد التغيب عن المحاضرات أمراً غريباً.
بعد أن غيرت الجماهير بإرادتها بحشودها المليونية فى 30 يونيه حكم الدكتور مرسى.. ظل معظم ظواهر التخلف العلمى والتشوه السلوكى لمجتمع الجامعات، ظل على حاله لم يتغير إلا قليلاً، لأن المسئولين بالجامعات أحجموا عن مواجهة هذه الظواهر بالحسم الذى تقتضيه مثل هذه المواجهات لإعادة المظهر الحضارى للمجتمع الجامعى ولانتشال الجامعات من هوة التخلف العلمى الذى عانت منه.
فى هذا المناخ تولى دكتور جابر نصار منصب مدير جامعة القاهرة، وكان للرجل مشروع واضح للنهوض بالجامعة الأم - جامعة القاهرة - وإقالة عثرتها العلمية بالتصدى لمافيا التجارة بالتعليم التى هبطت بمستوى الجامعات المصرية، لم يكن الأمر سهلاً، وكانت الحركة فى هذا الاتجاه تقابلها مقاومة شرسة من طلاب تعودوا على الحصول السهل على شهادات جامعية بحفظ بعض «الملازم» التى تحقق لبعض الأساتذة أرباحاً خيالية.
وواجه د. نصار تحالف بعض الأساتذة المستفيدين من تدهور العملية العلمية ومعهم طلاب همهم الوحيد الحصول على «شهادة» جامعية بأى وسيلة حتى وإن تخرجوا في الجامعة بمستوى علمى شديد التواضع.
لم يتردد الرجل فى المواجهة، وناصره فى هذا الصراع عدد من هيئات التدريس المؤمنين فعلاً بضرورة الارتقاء بالتعليم الجامعى فى مصر ليتنافس فى مجال البحث العلمى وأساليب التعليم الجامعات العالمية المتقدمة، وحقق الرجل نصراً معقولاً حتى الآن.
وفى تحرك موازٍ بدأ الرجل فى الالتفات للمجتمع الجامعى فى سلوكياته خاصة الطلاب وهيئة التدريس. منع الرجل دخول الطلاب إلى حرم الجامعة بملابس لا تليق سواء منها ما يعبر عن تعصب دينى أو انفلات أخلاقى، فالتطرف فى الاتجاهين مرفوض، وفى هذا السياق أصدر قراره بمنع ارتداء النقاب لمن يقمن بالتدريس، وأتبعه بقرار آخر يمنع هيئات التمريض فى المستشفيات الجامعية من ارتداء النقاب أثناء العمل، وهاجت قوى التطرف والتعصب، ولجأ بعضهم إلى القضاء والتفت الرجل حوله ليجد أن مديرى الجامعات الأخرى تهربوا من الوقوف معه، فلم يتراجع وواصل معركته حتى انتصر بحكم القضاء.
وحتى يحفظ للصلاة قدسيتها، والمناخ الروحى الذى تؤدى فيه بنى مسجدين بجامعة القاهرة ليؤدى فيهما صلاة الجماعة من أراد من الطلاب والأساتذة.
الصراع ظل عنيفاً، ود. جابر نصار يقف وحده بصدر عارٍ وسلاحه الوحيد إيمانه بضرورة إعادة الاعتبار «للجامعة الأم» جامعة القاهرة.
واليوم يقرر د. نصار مغادرة موقعه كرئيس لجامعة القاهرة، أشعر ومعى كل المتطلعين لمحاربة التخلف العلمى والسلوكى، نشعر جميعاً بمدى الخسارة التى ستلحق بجامعة القاهرة إذا لم يتول قيادتها من يسير على نهج د. نصار.
وفى هذه اللحظات لا أملك أكثر من كلمات تقدير يستحقها بجدارة المقاتل الجسور الدكتور جابر نصار.