بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

العمرة.. كمان وكمان

فى مقال سابق ناشدت المواطنين الذين يحرصون على تكرار أداء العمرة، أن يتوقفوا عن تكرار أداء العمرة خاصة فى هذه الظروف التى يمثل فيها تكرار أداء العمرة نزيفًا فى العملة الصعبة التى تحتاجها مصر أشد الاحتياج.

واليوم أعود لمناقشة الموضوع بتفصيل أكثر وأقدم الأدلة الشرعية التى تدعم وجهة نظرى.

أولاً: وضع الائمة العظام والفقهاء المحترمون «قواعد شرعية» تمثل الميزان الدقيق والمعيار الذى يقاس به  مدى تحقق المقاصد العليا للإسلام فى كل تصرف أو سلوك.

ومن أبرز تلك «القواعد الشرعية» القاعدة التى تقول «دفع الضرر مقدّم «بتشديد الدال» على جلب المنفعة».

ولو طبقنا هذه القاعدة بأمانة على التسابق المحموم لأداء العمرة خاصة «عمرة رجب ورمضان» والتباهى بتكرار أداء العمرة لعدة مرات تصل فى بعض الأحيان الى عشرات المرات، لو طبقنا القاعدة الشرعية التى أشرت إليها على هذه الحالات لتأكدنا أن هذا التسابق المحموم لأداء العمرة وتكرارها يمثل أضرارًا جسيمة بجموع المسلمين فى مصر على النحو التالى..

1ـ يتم إنفاق مليارات الدولارات كل عام على رحلات الحج والعمرة  ويمثل هذا الإنفاق نزيفًا كبيرًا فى العملة الصعبة وطلبًا كبيرًا على هذه العملة فترتفع قيمتها أمام الجنيه المصرى، وترتفع نتيجة لذلك كل تكاليف المعيشة على المواطن المصرى بدرجة تحرم نسبة هائلة من الشعب من الحصول على الحد الأدنى من مستلزمات  الحياة الإنسانية.

2ـ من يجادل بأن هناك جهات إنفاق أخرى تمثل نزيفًا مماثلاً للعملة الصعبة وربما أكثر فالأمر هنا مختلف، ما يتم باسم الحج والعمرة يتم بمنطق الالتزام بتعاليم الإسلام، وهنا يتحمل «الإسلام» مسئولية الإضرار بملايين المسلمين، بينما التصرفات الأخرى التى لا علاقة لها بأى التزام دينى نتعامل معها باعتبارها جرائم لابد وأن تتوقف ولا يتحمل «الإسلام» مسئولية حمايتها، كما هو الحال فى حالات الحج  والعمرة.

ثانياً: يجمع العلماء الأجلاء على أن الحج والعمرة يجب أن تتوفر نفقاتهما من حرمان الحاج أو المعتمر وأن يكون هذا المال قد كسبه صاحبه من حلال، وأن يكون الحاج أو المعتمر قد ادخر لأهله نفقة تكفيهم لفترة معقولة يرى العلماء ألا تقل عن عام كامل، ولهذا كان الشرط القرآنى الرائع «لمن استطاع إليه سبيلا»، وهنا نتوقف أمام أكثر من ملاحظة:

1ـ أداء فريضة الحج أو العمرة من مال لم يكسبه الحاج أو المعتمر بجهده ومن طرق لا تشوبها حرمة، أداء الحج  والعمرة من هذا المال الذى يملكه راغب الحج والعمرة شرط لأداء الحج والعمرة على وجهها  الصحيح.

وبمفهوم المخالفة فكل حج أو عمرة تتم بمال لا يملكه من يحج أو يعتمر يخالف أحد الشروط الجوهرية لأداء الحج أو العمرة ويستوى هنا أن يكون هذا المال «تبرعًا» من شخص أو جهة، أو منحة  حكومية أو مكافأة من مؤسسة أو غيرها.

2ـ  من الكوارث التى تتم فى هذا المجال «المسابقات» التى تخصص نفقات الحج والعمرة للفائزين، وهذه المسابقات تتم بطريقة أقرب الى عمليات «اليانصيب» التى تمثل نموذجًا من المقامرة والمراهنات التى يرى العلماء المحترمون أنها نشاط محرم ومؤثم إسلاميًا.

ثالثاً: ابتكرت الشركات المخصصة فى تنظيم رحلات الحج والعمرة ابتكرت ما تسميه الحج والعمرة «خمس نجوم»؟! وطبعاً توجد درجات الحج والعمرة للفقراء؟!! ودرجات ثلاث نجوم للأقل فقرًا.

هذه الحالة تمثل إهداراً كاملاً للهدف من الحج والعمرة، فالحج أحد أهم أركانه وتجلياته أن يشعر المسلمون جميعاً أنهم  متساوون وأن كل الفروق الدنيوية المرتبطة بالغنى والفقر والجنس ، كل هذا الفروق قد زالت تمامًا، وملابس الإحرام تمثل هذه المساواة الكاملة شكلاً ولا شك أن الإسلام لم يفرض هذا «الشكل» عبثًا، لكن هذا المظهر يجب أن يتأكد فى كل تصرف يتم فى إطار الحج والعمرة.

ولأننى لا أعول كثيرًا أوقليلاً على شجاعة علماء الإسلام لأطالبهم بتبنى الدعوة لوضع الشروط التى تكفل فعلاً أداء الحج  والعمرة على الوجه الصحيح الذى يحقق مقاصد الإسلام العليا، فإننى أطالب الحكومة ـ على الأقل ـ بمنع السفر للحج والعمرة على نفقة بعض الوزارات التى تعودت على ذلك.

وأيضاً بعدم السماح بتكرار الحج والعمرة للتقليل من نزيف العملة الصعبة إعمالاً للقاعدة الشرعية التى أشرت إليها.

فهل تلقى هذه الدعوة استجابة من المسئولين؟ أم أن «الطناش» سيظل سيد الموقف؟