فرقة الأمن الإعلامي
في جميع بلاد العالم تستخدم المؤسسات المسئولة عن «الأمن» وسائل شتي لتحقيق أهدافها. ومن بين هذه الوسائل تجنيد «فرق للأمن الإعلامي» علي غرار باقي الفرق مثل فرق الأمن المركزي وفرق العمليات الخاصة، وفرق الكلاب البوليسية وغيرها من الفرق التي تؤدي كل منها مهام محددة لتحقيق الأهداف التي تحددها المؤسسات الأمنية، وهذه الفرق تعمل وفق «العقيدة» التي تتبناها المؤسسة الأمنية في هذه الدولة أو تلك.
ففي الدول الديمقراطية تستخدم المؤسسات الأمنية هذه الفرق ـ كل في مجاله ـ وفق ضوابط صارمة تحددها الدساتير ومواد القوانين، وهذه الضوابط تحدد بحسم حدود وأهداف حركة هذه الفرق. وهذه الضوابط تحددها «العقيدة الأمنية» التي ترسخت في مؤسسات الأمن بهذه البلاد والتي تلتزم فيها هذه المؤسسات بالهدف الذي انشئت من أجله وهو تحقيق الأمن لكل مواطن وحماية جميع المواطنين بلا استثناء من أي اعتداء يستهدفهم سواء استهدف هذا العدوان أموالهم أو حرياتهم أو أعراضهم أو أرواحهم أو أي حق من حقوقهم الانسانية التي كفلتها الدساتير مهما كانت الجهة التي حاولت أن تتغول علي حقوق المواطن.
أما في الدول التي تتحكم فيها قوي ديكتاتورية أو تلك التي تعاني من تصدع في بنيتها الديمقراطية، فهذه الدول تتغول فيها المؤسسة الأمنية علي الدساتير والقوانين لأنها تري أن مهامها تنحصر في تحقيق الأمن لمؤسسة الحكم وحدها حتي وان اقتضت هذه الحماية ـ حسب تقدير مؤسسة الأمن ـ إهدار حقوق باقي المواطنين.
علي ضوء هذه الرؤية تحرك المؤسسات الأمنية جميع «الفرق» التي تستخدمها وتحاسب هذه الفرق وفق رؤيتها وعقيدتها الأمنية. ففي الدول الديمقراطية تضاعف العقوبة لأي فرد ينتمي إلي أية فرقة من الفرق التي تستخدمها المؤسسة الأمنية، تضاعف العقوبة لمن يتجاوز حدود هذه المهام، ومن يستخدم مظلة الأمن ليمارس عدواناً ـ مهما كان صغيراً ـ علي أي مواطن أو من يعتدي علي حرية هذا المواطن بل ويتعرض لمحاسبة قاسية كل من ينتمي للفرق المعاونة لمؤسسة الأمن إذا لم يبادر هذا الفرد أو الفرقة لحماية مواطن عادي تعرض لعدوان علي إحدى حرياته الانسانية التي كفلها الدستور والقانون.
أما في الدول التي لم تترسخ فيها القيم الديمقراطية فإن مؤسسة الأمن تطلق يد فرقها والأفراد المنتمين لهذه الفرق ليعبثوا بكل حقوق المواطنين إلي الحد الذي يصل إلي الاغتيال المادي أو المعنوي لأي مواطن بحجة الحفاظ علي أمن «الوطن» و«الوطن» في هذه الحالة يتم اختزاله في أشخاص من يتولون أمر الحكم.
مايعنيني هنا هو «فرق الأمن الإعلامي» ولا يخفي علي أحد أن المؤسسات الأمنية في كل زمان ومكان تستخدم «النشاط الإعلامي» كمظلة تستغلها المؤسسات الأمنية المختلفة في كثير من الحالات ليتحرك في حمايتها أفراد يكلفون بجمع معلومات أو تنفيذ مهام، ونماذج هذه الحالات كثيرة في مجال «المخابرات» ويؤدي هذه المهام مواطنون نذروا حياتهم لخدمة الوطن وكثير منهم يقوم ببطولات رائعة حققت للوطن الكثير. وبعض هؤلاء كانوا يمارسون بالفعل مهنة الاعلام وعندما احتاج الوطن لخدماتهم لم يترددوا في أداء هذه المهمة، وبعضهم تم اكسابه هذه الصفةـ صفة الإعلامي ـ ليتمكن من الحركة الحرة.
الأمر المؤسف اننا في مصر عشنا قبل ثورة يناير زمنا توحشت فيه المؤسسة الأمنية بحجة حماية السلطة الحاكمة، ووصل الفجور إلي الحد الذي وقف فيه وزير داخلية ـ رأس السلطة الأمنية ـ ليؤكد تحت قبة البرلمان والمفترض أنه ـ أي البرلمان ـ هو الضامن لحريات الشعب، وقف وزير داخلية ليطمئن الحاكم بأنه يملك التسجيلات التي تفضح المعارضين ويعاهد رئيس الدولة يومئذ بأنه علي استعداد لاحضار المعارضين «بلابيص».
إلي هذا الحد من الفجور بل الأمر وبعد ثورة يناير وموجتها الثانية في مايو تصورنا أن عقيدة المؤسسة الأمنية قد تغيرت، وأن الشعار الجديد الذي رفعته هذه المؤسسة وهو «الشرطة في خدمة الشعب » هذا الشعار يعني أن المؤسسة الأمنية أدركت أن مهمتها هي تحقيق الأمن الحقيقي لجميع المواطنين بلا استثناء وانها القوة التي ستوفر الحماية لحقوق أقل مواطن بنفس القدر الذي تحقق به الحماية لحقوق من يلي أعلي سلطة في الوطن.
بعد الثورة كانت هناك فعلا بعض البدايات المبشرة، لكننا في الفترة الأخيرة لاحظنا انهياراً تاما خاصة في نشاط «فرق الأمن الاعلامي».
تم اقحام شخصيات لتحتل شاشات الفضائيات، واسبغت عليها حماية خاصة سمحت لها بأن تنتهك الدستور والقوانين انتهاكا بشعا ووفرت لها الحماية حتي من أحكام القضاء وأغرت هذه الحماية البعض ليمارس كل الوان السباب الهابط لمن يجرؤ علي مخالفة قرارات السلطة، بل وبلغت الانتهاكات حد الاغتيال المعنوي للمواطنين باقتحام الحياة الخاصة للمواطنين وبثها علي شاشات التليفزيون في تحد واضح وفاجر لمواد الدستور وللقوانين التي تحمي وتصون الحياة الخاصة للمواطنين.
وهنا أتوجه بنداء إلي جهتين. الأولي السيد رئيس الجمهورية الذي يحرص أشد الحرص علي استخدام العبارات التي لاتؤذي مشاعر انسان والذي يلتزم ـ حتي وهو يتحدث عن الخصوم ـ بعفة اللسان فما يمارسه بعض أفراد «فرق الأمن الإعلامي» يمثل اساءة بالغة للرئيس السيسي، لأن الجماهير تتصور أن هؤلاء الممعنين في استخدام أحط الأساليب يتمتعون بحماية خاصة من مؤسسة الرئاسة... ومع أن هذا الاعتقاد ينفيه تماما السلوك المهذب للرئيس إلا أن الاستمرار في هذا الأسلوب يعزز اقناع الجماهير بما يدعيه البعض من أن الرئيس يرضي عن هذا الاسلوب.
أما الجهة الثانية فهي جموع الاعلاميين المصريين ولا أطلب منهم الا ابداء الامتعاض والرفض العملي بتجاهل أفراد الأمن الاعلامي عند لقائهم في أي محفل عام، فالمقاطعة اسلوب فعال لأنه يكشف موقف الجماعة الاعلامية من هؤلاء الدخلاء الذين شوهوا مهنة من أشرف المهن.