بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على الهوا

السنة النبوية المشرفة

بعد الهزيمة الثقيلة عام 1967 نشط «تجار الدين» ليقنعوا الناس بأن هذه الهزيمة سببها الوحيد أن المصريين لم «يلتزموا» بتعاليم الإسلام، ولقى هذا التفسير تجاوباً واسعاً لدى نسبة كبيرة من الشعب المصرى المتدين بطبعه.

وبدأ تجار الدين يروجون لبضاعتهم معتمدين على كم هائل من الكتب التى كانت تطرح فى الأسواق بأسعار رمزية أو  حتى تقدم مجاناً، وكلها كتب تتضمن تفسيرات وتأويلات تجنح كلها الى التعصب وتنشر الكثير من الخرافات أو من التفسيرات التى تدعو الى التخلف.

وظهر فجأة عدد هائل من «الدعاة» وكثير منهم حظه من العلم مجرد قراءة بعض هذه الكتب المتخلفة وحفظها وترديد ما حوته، وكثير من هؤلاء الذين نسبوا الى أنفسهم صفة «الدعاة» أتقنوا فن «التمثيل» بترقيق أصواتهم والاعتماد على العبارات العاطفية التى تجذب الجماهير وبدأ هؤلاء حملة مركزة لدعوة الجماهير إلى «الالتزام» بتعاليم الإسلام، وهذه التعاليم حسب زعمهم انحصرت فى أمور مظهرية وهامشية الكثير منها لا علاقة له بصحيح الإسلام أو تعاليمه، لكنها مجرد «عادات» اجتماعية لمجتمع عاش فى زمن وظروف معيشية مختلفة تماماً عن زمننا.. وانتشر الحجاب ومن بعده «النقاب» ليدفع بالمرأة المسلمة الى درجة متدنية فى المجتمع، هذه المرأة التى جاء الإسلام ليعلى من شأنها ويضعها فى مكانها الصحيح فى المجتمع إنساناً مكافئاً للرجل الذى يمثل معها ـ أى مع المرأة المسلمة ـ مجتمعاً مثالياً تتساوى فيه الحقوق والواجبات لكل من الرجل والمرأة ويتعاونان معاً فى شراكة متكافئة لتشكيل اللبنة الأساسية التى تبنى عليها المجتمعات وهى الأسرة.

والمتابع لما حدث فى تلك الفترة يكتشف بسهولة أن أكثر الأسانيد والحجج التى اعتمد عليها من أطلق عليهم لقب «الدعاة» أكثر هذه الحجج تعتمد على أحاديث نبوية، ومرويات عن سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أو عن تصرفات منسوبة الى الصحابة الأجلاء.

فى هذه الفترة كنت أعمل بالإذاعة المصرية وكنت مسئولاً عن «الشئون الدينية» وفى أحد اللقاءات مع الأستاذ الدكتور عبدالمنعم النمر وهو فى ذلك الوقت يشغل منصب وزير الأوقاف، حدثنى الرجل بانزعاج شديد عن هذه الظاهرة وكان يخشى أن تعلو هذه الموجة من اختزال الإسلام فى أمور شكلية، الكثير منها ليس له علاقة بصحيح الدين لكنه ينتسب فقط إلى عادات وتقاليد المجتمع الذى عاش فيه الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولم يلبث الرجل أن عبر عن هذا الانزعاج بطريقة عملية حاول بها أن يواجه هذه الموجة من التفسيرات المتخلفة للإسلام الذى يعتبره ـ بحق ـ ثورة تنوير وتجديد مستمرة.

أصدر الرجل كتيباً عن «السنة النبوية الشريفة» هدفه تنبيه المسلمين الى عدة حقائق.

أولاً: السنة النبوية الشريفة، بعضها سلوك اجتماعى فى الملبس والمسكن والمشرب والتداوى وغيرها من أمور الحياة اليومية.

وقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم حياته وفق هذه العادات الاجتماعية لقومه إلا ما ورد بالقرآن الكريم من تحريم لهذه العادات كوأد البنات.

وفرق فى هذا الكتيب بين «سنة العبادة» وهى السنن التى تتعلق بالعبادات التى فرضها الله سبحانه وتعالى وذكرت فى القرآن الكريم مجملة وجاءت السنة النبوية الشريفة لتفصل ما أجمله القرآن الكريم مثل طريقة الصلاة أو طريقة الحج مثلاً.. وهناك «سنة العادة»، وهى سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم فى الحياة اليومية وهو ـ أى الرسول ـ يلبس ويأكل ويتداوى ويتصرف فى شئون الحياة اليومية كما يتصرف مجتمعه بكل مكوناته مسلمين ومشركين، لكنه صلى الله عليه وسلم لا يمارس ما نهى الله عنه بوحى صريح وارد بالقرآن الكريم.

من هنا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما حدثهم بأمر سألوه «هل هذا وحى أنزله الله، أم هو الرأى والمشورة» فإن أخبرهم بأنه المشورة والرأى أشاروا عليه بما يعرفون وكثيراً ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذ بمشورتهم وخبرتهم وإن خالفت رأيه  كما حدث فى واقعة تلقيح النخل الشهيرة.

هذا الكتيب الرائع اختفى تماماً من الأسواق بعد فترة وجيزة ولم يفكر أحد فى إعادة طباعته، فهل تفعل ذلك وزارة الأوقاف وهى القادرة على الحصول على نسخة من هذا الكتيب وتنشره وتوزعه بأعداد كبيرة، أرجو أن تفعل وزارة الأوقاف ذلك على الأقل كمساهمة فى تطوير الخطاب الدينى.