البرلمان الجديد.. مطالب وطموحات
بانتهاء الانتخابات البرلمانية تكون مصر قد اجتازت الفراغ المؤسسي الذي عانت منه قرابة ثلاث سنوات ماضية والمتمثل في غياب البرلمان، وتستكمل بذلك المرحلة الثالثة من مراحل المستقبل السياسي أي خارطة الطريق، ويمكن الإشارة في هذا الإطار إلى عدة ملاحظات مهمة تتعلق بالبرلمان وتكوينه وعمله وتعبيره عن مطالب الشعب وطموحاته والظروف التي يعمل فيها ودوره في تحقيق الاستقرار، وفيما يلي توضيح ذلك:
أولاً: انتهاء المهمة الصعبة وبداية المهمة الأصعب: حيث أجريت الانتخابات في ظل تحديات متعددة وعلى مختلف المستويات تواجه الوطن سواء كانت هذه التحديات أمنية أو اقتصادية أو تحديات الإرهاب، وسواء كانت هذه التحديات داخلية أو إقليمية أو دولية، والتحديات المتمثلة في دعوة بعض الاتجاهات إلى مقاطعة العملية الانتخابية، ورغم جميع هذه التحديات فقد تمكنت مصر من إجراء انتخابات نزيهة ودون تدخل لأي جهة أو مؤسسة رسمية، ودون أن يشوبها العنف أو البلطجة على نحو ما كان يحدث في عقود طويلة سابقة، وهو ما أثبتته تقارير المتابعين العملية الانتخابية من منظمات محلية ودولية، وبانتهاء هذه المرحلة بنجاح رغم صعوبتها تبدأ مرحلة أخرى وهي عمل ونشاط البرلمان كمؤسسة تشريعية ورقابية وهي مرحلة تتسم بعديد من الصعوبات والتحديات والتي ربما تفوق في صعوبتها عملية إجراء الانتخابات ذاتها وذلك نظراً للمهام والوظائف المتعددة الموكلة إلى البرلمان الجديد أو متطلبات المواطن المصري من المجلس الذي يمثله.
ثانياً: مهام ووظائف البرلمان الجديد، حيث تتعدد مهام وأعباء ووظائف البرلمان الجديد وفي مختلف المجالات التشريعية والسياسية والرقابية والاقتصادية حيث يقع على عاتق البرلمان الجديد تحويل المبادئ العامة للدستور إلى واقع يشعر به الشعب، فالدستور يضع المبادئ العامة دون التفاصيل، فالتشريع أو القانون هو الذي يضع التفاصيل ويحول المبادئ العامة إلى واقع يشعر به الشعب ويعيشه ويشعر بتحسن ظروفه الحياتية والمعيشية على مختلف المستويات، كذلك من المطلوب من المجلس النيابي أن يتخذ قراره بشأن القوانين والتشريعات التي صدرت في فترة غياب المجلس وهي قوانين متعددة تصل إلى المئات، ولعل التحدي الحقيقي هو محدودية الفترة الزمنية التي يخصصها الدستور للانتهاء من هذه العملية وهي فترة 15 يوماً، كذلك من المهام المطلوبة من البرلمان تنقية القوانين القائمة وبحيث يضمن عدم وجود قوانين تتعارض مع الدستور ومبادئه، كذلك من المهام المطلوبة من البرلمان ممارسة الدور الرقابي على الحكومة ليس بهدف الصراع أو التصادم بل بهدف التوصل إلى الأفضل وتحقيق المصلحة العليا للوطن، وهو ما يتطلب في المقام الأول تشكيل كتلة أو ائتلاف يملك الأغلبية داخل البرلمان سواء كانت أغلبية بسيطة بمعنى النصف +1 أو أغلبية خاصة (الثلثين) أو أكثر.
ثالثاً: عدم اللجوء إلى افتعال صدامات لا مبرر لها أو افتعال أزمات غير مطلوبة في هذه المرحلة بالذات ومن ذلك على سبيل المثال:
أ: دعوة البعض إلى إحداث تغيير في الدستور، حيث إن هذه الدعوة ليس لها ما يبررها نظراً لأن الدستور لم يطبق من خلال التشريعات ولذلك يكون من المرغوب فيه عدم استباق الأحداث وإعطاء فرصة زمنية لتطبيق الدستور من خلال الممارسة والتي يمكن من خلالها معرفة مدى الاحتياج إلى تغيير أو عدم تغيير مواد دستورية معينة.
ب: دعوة البعض إلى عدم عرض القوانين التي صدرت في غياب البرلمان على المجلس النيابي الجديد،وهو ما يؤدي إلى افتعال أزمات وصدامات ليس لها ما يبررها وخصوصاً في هذه الفترة الدقيقة من مراحل التطور السياسي للوطن، كذلك ليس من المرغوب فيه أن يبدأ عمل المجلس النيابي الجديد بمخالفة نص الدستور.
ج: عدم اللجوء إلى اختبارات القوة أو افتعال أزمات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على نحو ما حدث في موضوع أمين المجلس.
رابعاً: سقف الطموحات والمتوقع من المجلس الجديد، حيث تقع على عاتق المجلس الجديد عديد من الآمال والطموحات من جانب المواطن المصري والذي يرغب في الشعور بتحسن حياته المعيشية واليومية في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ومكافحة البطالة وتوفير فرص العمل وعدم الاكتواء بنيران الأسعار ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات وإصلاح الجهاز الإداري للدولة وتطوير المرافق، إضافة إلى مطالب قطاعات متعددة من الشعب كالفلاحين والصيادين وحاملي شهادات الماجستير والدكتوراه والعاملين في التربية والتعليم وغيرهم من المواطنين الذين يعقدون آمالاً مرتفعة على المجلس الجديد باعتباره المجلس الذي يمثلهم ويعبر عنهم وباعتباره أول مجلس يتشكل بعد ثورة 30 يونية.
نأمل أن يكون المجلس النيابي الجديد على مستوى توقعات الشعب المصري، وأن يعمل على تحقيق مصالح المواطن المصري ومطالبه، وأن يعمل في المقام الأول على تحقيق مصالح الوطن العليا وأمنه القومي.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة