دور المعارضة في نظم الحكم
تتعدد وجهات النظر في تناول المعارضة ودورها داخل نظام الحكم، وما هي الآثار المترتبة على وجود هذه المعارضة سواء كانت آثاراً سلبية أو إيجابية، وتداعيات هذه الآثار على النظام ككل ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى الملاحظات الأساسية التالية:
أولا: إن المعارضة من السمات اللصيقة بالنظم الديمقراطية وتعتبر من المكونات الرئيسية للنظام الديمقراطي، حيث تنطوي الديمقراطية على عدة قيم أساسية مثل المساواة والحرية والمشاركة والتعددية، ولذلك يمكن النظر إلى المعارضة من منظور أوسع وهو قيمة التعددية التي تنطوي عليها الديمقراطية، فالمعارضة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقيمة التعددية بمعناها الواسع أي تعددية الآراء والأفكار وتعددية الأحزاب والبرامج وتعددية الحلول المطروحة للمشكلات، ويترتب على ذلك أن المعارضة تؤدي دوراً ووظيفة أساسية في النظم الديمقراطية باعتبارها من مكونات النظام الديمقراطي والذي ينقسم بالضرورة إلى حكومة ومعارضة.
ثانيا: اختلاف المعارضة باختلاف نظام الحكم، حيث يلاحظ وجود اختلاف في شكل المعارضة وفقاً لشكل نظام الحكم وما إذا كان برلمانياً أو رئاسياً أو دولة نامية، كما يمكن أن تختلف باختلاف البيئة والظروف، ففي بريطانيا وهي النموذج التقليدي للنظام البرلماني فإن المعارضة تتمثل في الحزب الذي لم يحصل على الأغلبية في الانتخابات التشريعية، والذي يمكن أن يطلق عليه أيضاً حكومة الظل أو الحكومة البديلة، ولزعيم المعارضة لقب رسمي وهو زعيم معارضة حكومة صاحبة الجلالة مما يعني الاعتراف بأهمية المعارضة والدور الذي تقوم به داخل النظام كما أن المعارضة بدورها تطرح نفسها كحكومة مستقبلية أو حكومة بديلة وهو ما يتحقق في حالة فوزها في انتخابات تشريعية لاحقة وفقدان الحزب الحاكم للأغلبية التي يتمتع بها، أما في النظم الرئاسية ومنها النظام الأمريكي باعتباره نموذجاً للنظام الرئاسي فإن شكل المعارضة وبالتالي الحزب الحاكم يختلف، حيث يقصد بالحزب الحاكم في النظام الأمريكي الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي بينما يمثل الحزب الآخر الكبير المعارضة، ويلاحظ إن الحزب الحاكم في النظام الأمريكي ليس من الضروري أن يملك الأغلبية في مجلس الكونجرس الأمريكي (السلطة التشريعية) فقد يكون للحزب الحاكم أغلبية المقاعد في أحد المجلسين دون المجلس الآخر، وأحياناً لا يتمتع بالأغلبية في المجلسين ولكن يظل حزباً حاكماً نظراً لانتماء الرئيس إليه، والغريب أنه في بعض الأحيان تكون النظرة إلى أحزاب المعارضة تتسم بالشك والريبة في بعض الأحيان، بل والتشكك في وجودها وجدواها وإن كان ذلك الوضع يكون عرضة للتغير والاختلاف مع الاقتراب من النموذج الديمقراطي في الممارسة السياسية.
ثالثاً: علاقة الحكومة والمعارضة: والتساؤل الذي يمكن إثارته في هذا الإطار هو هل علاقة الحكومة بالمعارضة هي علاقة صدام بالضرورة، وهل يفترض أن تنتقد المعارضة كل ما يصدر عن الحكومة من قرارات وسياسات بالضرورة؟ وللإجابة عن هذا التساؤل يمكن القول إن هناك جوانب وقضايا قد تكون من عوامل التوافق والتقارب بين الحكومة والمعارضة، فكلاهما ينتمي إلى نظام واحد، وكلاهما يسعى إلى تحقيق المصلحة العليا للوطن وإن اختلفت الأساليب أو التفاصيل وكلاهما يعمل على تعظيم دور الدولة التي ينتمي إليها في مجالات التنمية الاقتصادية وفي مجال تعظيم دور الدولة في المجالين الإقليمي والدولي، ولذلك قد لا يكون من الغريب أن نجد مشاورات ومواقف متقاربة بين الحكومة والمعارضة في بريطانيا مثلاً أو بين الحزب الحاكم في الولايات المتحدة (الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي) والحزب الآخر المعارض وبحيث لا تحدث تغيرات فجائية أو حادة بتبادل الأدوار بين الحزب الحاكم والحزب المعارض مما يحافظ على مصلحة الدولة واستقرارها.
رابعاً: المعارضة المصرية توقعات وسمات: تتجه مصر في الآونة القريبة القادمة نحو استكمال تشكيل البرلمان المصري (مجلس النواب) عقب المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية، وبانتهاء هذه المرحلة تتضح سمات البرلمان المصري وتحديد الحزب أو الائتلاف الحزبي الذي يشكل الأغلبية ويقابله الأحزاب التي تعبر عن المعارضة، ويتطلب الأمر في اعتقادي التواصل الإيجابي بين الأغلبية والمعارضة، فالمعارضة تعمل على تسليط الضوء على ما قد يحدث من أخطاء وتقدم أفكار وبرامج لحل المشكلات وهي معارضة بناءة وتسعى إلى تحقيق مصلحة الوطن وليست معارضة شكلية أو معارضة من أجل المعارضة، بل هي معارضة مسئولة ووطنية وتقوم بإعلاء مصلحة الوطن على المكاسب الضيقة أو الحزبية، فالجميع في قارب واحد والأخطار والتحديات تواجه الجميع ولذلك يتطلب الأمر تضافر جهود الجميع (أغلبية ومعارضة وسلطة تشريعية وسلطة تنفيذية والشعب) لمواجهة هذه الأخطار والتحديات والتغلب عليها.